الصفحة 8 من 15

اشتباك يسترشدون بها لدى مواجهتهم للقراصنة، وبالتأكيد ليس هذا من قبيل الصدفة أو القصور في القرارات الصادرة. إذ في مرحلة ما صدر القرار 1816 مشروطا بإذن من الحكومة الصومالية الفاقدة لأية شرعية أو نفوذ على الأرض لقمع أعمال القرصنة. ثم قيل في مراحل لاحقة أن المشكلة بالغة التعقيد، وبشر محللون غربيون، من جهتهم، أنها مرشحة للتفاقم بما هو أسوأ من الوضع الحالي. أما عن القراصنة فهم ليسوا إرهابيين، لأن اعتبارهم كذلك ستكون له تداعيات قانونية على عملائهم الذين يتعاملون معهم، منها ملاحقة مالكي السفن وفتح قضايا قانونية طويلة عريضة مع العديد من القوى والشركات المتورطة وكذلك مع الدول الأم بوصفها المسؤولة عن تصرفات رعاياها. فكيف سيكون الوضع خاصة مع إسبانيا وفرنسا الدولتين الأكثر تورطا في النهب؟ ناهيك عن الدول الآسيوية الأخرى وحتى العربية؟ لذا فإن مجلس الأمن لم يكن مطلوبا منه توصيف القراصنة بالإرهابيين كون الشركات تتعامل معهم كقراصنة، وإنْ دفعوا لهم كإرهابيين فهذا يعني أنهم يشجعون الإرهاب ويتعاملون معه، مما يضعهم تحت طائلة المسؤولية القانونية ولو من باب الابتزاز السياسي. فلكل شيء ثمنه ولو بعد حين، كما سيعني تفعيل البند السابع الذي صيغت بموجبه القرارات الثلاثة ليطال كافة الأطراف المتورطة وهو ما ليس مطلوبا أصلا. فإذا لم يكن ثمة جدوى من التدخل العسكري والقانوني فما هي الغاية إذن من تصدير هذه القرارات؟

لا ريب أن المصالح هي من يفسر هذا النفاق الدولي. فالدول المستفيدة من الوضع الحالي للبلاد لا ترى مبررا لتصعيد الوضع بحيث تنفضح قصة النهب العالمي وتفقد الدول الغربية غنيمة المشاع ويتورط الجميع. ولو تتبعنا المسألة أكثر سنلاحظ أن أغلب السفن المخطوفة تكتفي بدفع الفدية على أن تخوض مواجهات مع القراصنة، ذلك أن الفدية تبقى مبلغا رمزيا لقاء ما تجنيه من أرباح فلماذا تفرِّط بمنطقة استثمار مجاني؟ بل حين نتتبع الغالبية الساحقة من التصريحات التي أعقبت الإفراج عن السفن سنجد أن أصحابها حين يُسألون عن دفع فدية للقراصنة يلوذون بالصمت، فلا يجيبون سلبا ولا إيجابا وهذا إقرار ضمني بمشروعية القرصنة وتبعاتها، والكل بهذا المعنى قراصنة.

هكذا يبدو الجميع قانعا بقواعد اللعبة، أما مبرر الفزع الدولي فربما يكمن فقط، إذا أحسنا الظن بهم، في ارتفاع سقف المطالب عند القراصنة بموجب تطور وسائلهم وخبرتهم وتسلل أطراف دولية (مسؤولين، عصابات، وحتى شركات تأمين ... ) استطاعت اختراق دائرة الغنائم وجني بعض الأرباح، وهذا مؤشر على أن قواعد اللعبة تغيرت من جانب واحد. وفي السياق تبدو المعطيات متضاربة لكنها تؤشر على خفايا كبيرة، فالمكتب البحري الدولي في لندن شاتام هاوس يقدر الأرباح ما بين 18 - 30 مليون دولار، لكن وزير الخارجية الكيني يتحدث عن 150 مليون دولار حققها القراصنة في اثني عشر شهرا من نشاطهم، ومع ذلك لم تصل المشكلة مع القراصنة إلى حد الاستئصال كظاهرة بقدر ما يبدو أن التوجهات تسير باتجاه تنميتها إن لم يكن تقنينها بصيغة اتفاق عرفي يأخذ بعين الاعتبار العناصر المستجدة على قواعد اللعبة. ففيما خلا بعض العمليات التي أدت إلى مقتل بعض القراصنة كما حصل في حادثة تدخل البارجة الهندية فالبقية ممن تعتقلهم القوات الأجنبية يجري تسليمهم لأثيوبيا أو كينيا أو الحكومة الصومالية حين اعتقالهم وفق ضمانات من الحكومات بعدم الإساءة إليهم وتمكينهم من محاكمات عادلة؟ فمن الذي من مصلحته تأمين المنطقة إذا كانت الدول الكبرى هي نفسها راعية الجريمة؟ وهل تأمين الملاحة الدولية يخرج عن نطاق حماية المصالح في منطقة باتت القوى الدولية تتعامل معها وكأنها حقا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت