تستطيع ذات القوى مهاجمة دول واحتلالها دون صدور نص واحد عن أية هيئة دولية، بل وممارسة القتل على أوسع نطاق. إننا نعجب حقا كيف لا تصدر مثل هذه القرارات مثلا في حق فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرهما من مناطق الظلم والقهر الدوليين!؟ وأيهما أولى بالرأفة والإنصاف والقرارات الناعمة؟ القراصنة الذين ينتزعون حقوقهم بأيديهم؟ أم المحاصرون الذين يموتون جوعا ويقتلون ويطاردون في كل وقت ومكان وعلى مدار الزمن؟
أيا كانت صفة القراصنة في القوانين الدولية أو المحلية فإن عمليات الخطف والسطو المسلح والمطالبة بفدية نشاطات تنطوي على تهديد للحياة، وهي بموجب قوانين القرن التاسع عشر خروج عن القانون، ومع ذلك فإن أية هيئة دولية قانونية لم تجرِّم القراصنة، فبأية معايير يجري تجريم اللصوص على المصارف والبنوك في دول العالم؟ وبأية معايير يجري تجريم قراصنة الجو؟ وماذا لو اختطف أحد ما طائرة ركاب مدنية وطالب بفدية؛ فهل سيدفعون له كما يدفعون للقراصنة؟ وبأية معايير تشن الولايات المتحدة وحلفائها الحروب على الدول واحتلالها وتقتيل سكانها؟ وبأية معايير يحاصَر سكان غزة ويُمنعوا من أسباب البقاء؟ وبأية معايير تحتجز الولايات المتحدة سجناء غوانتانامو ووضعهم في أقفاص حديدية وسجون ظلام صاخبة حتى أنها أخرجتهم من كونهم كائنات حية؟ وما هي المعايير التي تجيز عمليات الخطف الأمني؟ وما هي المعايير التي تجرم شخص لمجرد آرائه وتجبره على الرحيل أو تحاكمه بموجب قوانين محاكم التفتيش الإسبانية؟ أين حقوق القراصنة من حقوق د. هاني السباعي وعائلته المنكوبة المهددة بالترحيل كنموذج للظلم الدولي الذي يقيس بألف معيار ومعيار؟
الحقيقة أن التوزيع التاريخي للمشاع غالبا ما كان ينطوي على خبث وتلاعب من القائمين على عملية التوزيع التي يقع ضحيتها في الغالب فقراء الفلاحين، وما يجري حاليا، حتى على المستوى القانوني، يشبه بالضبط ما يجري في نظام المشاع القروي. ومن الواضح أنه ثمة تمييع قانوني كبير له عشرات الأسباب.
ففي أعقاب اختطاف ناقلة النفط السعودية أجرت صحيفة الشرق الوسط (21 112008) مقابلة هاتفية مع أحد القراصنة سمى نفسه جامع آدم قال فيها أن: لنا دول تعطينا معلومات عن السفن في البحر، وإذا في سفن تجارية أو مبحرة في طريقنا، وأن الدول المعنية هي: اليمن وإريتريا وكينيا وجنوب أفريقيا. مشيرا إلى أن للقراصنة شركاء لا دخل لهم بالأموال: يزودوننا بالمعلومات فقط، وهم موزعين على أكثر من بلد عربي وأفريقي وآسيوي ... في كينيا وسيريلانكا واليمن ودبي، والطريف في تصريحات القرصان آدم أنه: قلل من مخاطر تعرض القراصنة للهجوم من قبل الأساطيل الحربية التابعة لكثير من الدول في المنطقة من بينها حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، موضحا أن تلك الأساطيل الحربية قريبة منهم يشاهدونها، وفي لفتة أخرى: يبادلونهم التحية!
مع أننا لا نستطيع الركون إليها كثيرا، إلا أن هذه الشهادة تكشف عن تواطؤ دولي تجاه أعمال القرصنة وحتى تجاه القراصنة أنفسهم تدعمه رخاوة القرارات الدولية من جهة وتطبيقاتها من جهة أخرى. فالأولى جرى تقييدها بالقانون الدولي العائد لاتفاقية البحار، ولهذا صدر القرار وأرسلت السفن ولم يكن بيد القوات البحرية أية قواعد