الصفحة 1203 من 1412

نَصْرُ الله تعالى مهيَّأ في كلِّ ساعة؛ لكلِّ من يعمل بصدق وإخلاص في خدمة شريعته عزَّ وجل. فلا صعاب مع تأييد الله، ولا عناء مع عونه؛ فالآلام تذوب في تجلِّيات محبَّته، وتستحيل لذةً وسعادة وسرورًا. ولا يخفى أن للنصر نشوته وفرحته والَّتي قد تُفقد المنتصر صوابه، ثمَّ ما تلبث أن تحلِّق به في أجواء الفخر والاعتزاز، مما يُخرج صاحبه عن المنهج القويم الَّذي أوصله إلى النصر، ولذلك فإن العناية الإلهية تتدخَّل كما في كلِّ مرَّة لتعيد للمنتصر اتِّزانه وصوابه، ليُقِرَّ بأن النصر من عند الله، وإنما كان واسطة لهذا النصر لا مسبِّبًا له، ويدرك بذلك حجمه الحقيقي فلا ينجرف وراء منزلقات الكِبْر والغرور، ولا يجرف أتباعه وراءه إلى المهالك. ذلك أن من أكبر الفتن والامتحانات الَّتي قد يتعرَّض لها قادة الأمم تعلُّق الشعوب بهم، وكثرة التفافهم حولهم، فحينها قد يفقد المنتصر صوابه وينسى خالقه فيبالغ في قراراته الَّتي يتَّخذها، وقد تجرفه المطامع، فيجرُّ شعبه بنزواته إلى الهلاك والدمار، بعد أن كان بالنسبة إليهم محطَّ الآمال في الإعمار والازدهار. والشواهد على ذلك كثيرة منذ فجر التاريخ وحتَّى الحرب العالمية الثانية.

وقد نزلت هذه السورة تحمل البشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، واتِّخاذهم إياه قائدًا وإمامًا، وتُوَجِّهُه إلى مقابلة ذلك بالتسبيح والتحميد والاستغفار. وقد وردت روايات عدَّة عن سبب نزول هذه السورة نختار منها رواية الإمام أحمد عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قوله: سبحان الله وبحمده، استغفر الله وأتوب إليه، وقال: إن ربي أخبرني أني سأرى علامة في أمَّتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبِّح بحمده وأستغفره إنه كان توَّابا، وقد رأيتها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت