فهرس الكتاب
وفي مطلع الآية إيحاءٌ خاصٌّ يتمثَّل في قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله} فهو نصر الله، يجيء به الله، في الوقت الَّذي يقدِّره، وللغاية الَّتي يرسمها، وليس للنبي ولا لأصحابه يد في هذا النصر سوى اتِّخاذ الأسباب إليه. فقد ربَّى الرسول عليه السَّلام صحابة أجلاَّء، وقادةً عقلاء، وقد أهَّلهم ذلك ليكون لهم شرف الكفاح، وتحقيق النصر بإذن الله تعالى وإرادته، وحسبهم فخرًا أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حرَّاسًا، ويجعلهم عليه أمناء. إن مِنَّة الله على الرسول والمؤمنين عظيمة، فقد أجرى النصر على أيديهم، ولهذا فإن عليهم أن يسبِّحوه ويحمدوه شكرًا وعرفانًا على ما أولاهم من منَّة، وعلى ما أَوْلى البشرية كلَّها من رحمة، بنصره لدينه، وفتحه على رسوله، ودخول الناس أفواجًا في هذا الخير العميم، بعد العمى والضلال. وأن يستغفروه مما قد يساور القلب في مدَّة الكفاح الطويل والعناء القاسي، من ضيق أو استبطاء لوعد الله بالنصر، وأن يستغفروه على تقصيرهم في حمده وشكره، فمهما بلغ جهد الإنسان فإنه يبقى ضعيفًا محدودًا، وآلاء الله دائمة الفيض والانتشار. وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار؛ ففيه إيحاءٌ للنفس، وإشعار لها في لحظة الزهُوِّ والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز، فأَوْلى بها أن تخفِّف من كبريائها وتطلب العفو من ربِّها، وهذا مما ينفي الشعور بالزهوِّ والغرور، ويضمن عدم طغيان المنتصرين على المقهورين، ويراقب الله فيهم، فهو الَّذي سلَّطه عليهم لأمر يريده هو، والنصر نصره والفتح فتحه، وإلى الله تصير الأمور. وكم كان الرسول الكريم وأتباعه الفضلاء ملتزمين بهذه الأخلاق، ومتحلِّين بهذه السجايا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن مَنَّ الله عليه بالفتح الأكبر، يقف أمام الكعبة وجموع الناس تنظر إليه، وقد بلغت القلوب الحناجر، وهي تنتظر قراره فيها، يقف ليقول: «يامعشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم قالوا: