الصفحة 1215 من 1412

6ـ ومنهم ثلاثة من المؤمنين: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يكن لهم أي عذر في تخلُّفهم سوى الكسل والاسترواح في ظلال المدينة، كما قال كعب: (والله ماكان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلَّفت عنك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أمَّا هذا فقد صدق فقم حتَّى يقضي الله فيك» ) . (أخرجه البخاري ومسلم) .

وقضى الله تعالى فيهم أمره، وأصدر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حكم الله فيهم، فنهى الناس عن كلامهم، أو التعامل معهم، أو ردَّ السَّلام عليهم، وأصدر عليه الصَّلاة والسَّلام أمرًا بعد أربعين ليلة من الحكم الأوَّل إلى زوجاتهم بأن يعتزلن أزواجهن، والاكتفاء بخدمتهم دون مقاربتهم.

وكان سجنًا انفراديًا لكلٍّ منهم داخل قفص جسده، وكانت زنزانة غير منظورة لكلٍّ منهم، وكانت عقوبتهم حكمًا فريدًا من نوعه، اشترك الشعب كلُّه في تنفيذه. إنها سابقة لم يكن لها مثيل في تاريخ البشرية على الاطلاق، امتثل فيها المحكومون للحكم الإلهي بملء إرادتهم، وقابلوه بالاستغفار والتوبة، والإنابة بصدق وخشوع، وبالتضرُّع والدعاء الممزوجين بدموع مدرارة سخية ملتهبة، تنبعث من قلوب احترقت من خشية الله، وتنهمل من عيون التهبت بنار إلهية غسلت الركام الناشئ عن تخلُّفهم، حتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنُّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، نزلت بشائر التوبة الإلهية واستبشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبشَّر صحابته الكرام، وكان احتفالًا غريبًا من نوعه، قام فيه منفِّذو الحكم بتهنئة المحكومين، مهلِّلين مكبِّرين، فرحين مستبشرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت