فهرس الكتاب
إنها توبة إلهية شملت الثلاثة الَّذين تَخَلَّفوا، كما شملت قبلهم جميع من شاركوا في غزوة تبوك، وخاصَّة من راودتهم أنفسهم بعض الظنون والشكوك والهموم، وقد هدَّهم تعب المسير، حتَّى تورَّمت أقدامهم وتقيَّحت، حيث كان العشرة منهم يتناوبون الركب على دابَّة واحدة، وأضناهم قلَّة الزاد والماء، حتَّى أن الرجلين كانا يشقَّان التمرة بينهما، وحتَّى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده.
وهكذا بهذه الرسالة السماوية الكريمة، وبأمثال هؤلاء الصحابة العظام، وبالرعاية الكريمة الصادقة المخلصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظهرت خير أمَّة أُخرجت للناس، سبقت أعمالُها أقوالَها، وشعَّ صدق إيمانها نورًا ربَّانيًّا أضاء ظلمات القلوب العاثِرة، فاهتدت وهدت إلى صراط ربِّ العالمين.
الفصل الثامن:
الشهيد والشهادة
سورة آل عمران (3)
قال الله تعالى: {ولا تَحسَبَنَّ الَّذين قُتِلوا في سَبيلِ الله أمواتًا بل أحياءٌ عِند ربِّهم يُرزَقونَ (169) فَرِحينَ بما آتاهُمُ الله من فَضلِهِ ويَستَبشِرونَ بالَّذين لم يَلحَقوا بهم من خَلفِهِم ألاَّ خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحزنونَ (170) يَستَبشِرونَ بِنِعمةٍ من الله وفضلٍ وأنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المؤمِنينَ (171) }
سورة البقرة (2)
وقال أيضًا: {ولا تَقولوا لِمَنْ يُقتلُ في سبيلِ الله أمواتٌ بل أَحياءٌ ولكن لا تَشعُرونَ (154) }
ومضات:
ـ الحياة الحقيقية هي اتحاد الروح والجسد في سبيل تحقيق هدف واحد، هو إعلاء كلمة الله في الأرض، بتمثُّل الإيمان في النفس، ونشره في ربوع الأرض بين الناس، وإقامة البناء الأخلاقي والإعمار. وقد يتعرَّض الجسد من أجل ذلك كلِّه للموت، إلا أن الموت هنا، في حدِّ ذاته، بداية لحياة مِلؤُها السعادة والحبور في ظلِّ عرش الله ورعايته.
ـ الفرح الحقيقي هو الَّذي لا حزن بعده، وهو الغاية المنشودة الَّتي يطلبها المؤمن من ربٍّ كريم.