فهرس الكتاب
فإن كان الشهداء في هذه المنزلة العظيمة؛ حيث يتبوَّؤُون مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويُرزَقون مثلما يُرزق الأحياء، ويتنعمون بألوان النعيم والسرور، فإن ذلك يؤكد أن الشهادة ليست بخاتمة المطاف، وليست حاجزًا بين ما قبلها وما بعدها، بل هي استمرار للحياة الأولى، وانتقال مرحلي منها للارتقاء في معارج النعيم في الجنان الَّتي أعدَّها الله للشهداء الأبرار، الَّذين يتجاوزون عالم البرزخ، وتنطلق أرواحهم لتحيا حياة جديدة يصبح فيها الغيب مُشاهَدًا مرئيًا؛ فيرون ألوانًا من النعيم الَّذي لا يُوصف، ويُرزقون كما يُرزق الأحياء، فكأنهم لم يموتوا. إلا أن هذه الدرجة لا يُلَقَّاها إلا المخلصون من الشهداء، والمبتغون في تضحيتهم وجه الله، وهذا ما أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ) .
وهكذا نجد أنَّ الإسلام قد أعطى ظاهرتَيْ، الموت والحياة، مفهومًا عميقًا وجميلًا ذاخرًا بالمعاني السامية، الَّتي تُفْرِحُ قلب المؤمن وتجعل من حياته وموته رحلة متكاملة، طالما أنهما في سبيل الله، تحقيقًا لإرادته في نشر السَّلام والاطمئنان في ربوع العالم كلِّه.
إنها النظرة الجديدة للموت، وهي ذات آثار جليلة على مشاعر المؤمنين، حيث حثَّتهم على زيادة الطاعة والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وترك التمسُّك بالحياة الدنيوية الزائلة، للفوز بحياة أبدية لا يكدِّرها خوف من مكروه، ولا حزن ولا هموم، وهذا ما يسلِّط الأضواء على أحد شهداء الصحابة، عندما تَلقَّى بصدره طعنةً برمحٍ نفذ إلى ظهره فقال: فُزْتُ وَرَبِّ الكعبة.