فهرس الكتاب
تتجلَّى عظمة الخالق في خلقه أمام أعيننا، بدءًا من الذرَّة وانتهاءً بالمجرَّة، في كلِّ ما يقع تحت حواسِّنا كشريط مرئي ومسموع، ينبِّه الإحساس، ويوقظ العقل والسمع والبصر. ومن آيات الله ودلائل عظمته، الموت المؤقت، الَّذي هو النوم؛ فهو صورة من صور الموت لما يعتري الحواس من غفلة، والإحساس من سهوة، والعقل من سكون، والوعي من سُبات. إنه الغيب في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان، هذا الغيب الَّذي يجعل البشر مجرَّدين من كلِّ حول وقوَّة حتَّى من الوعي، لأنهم في سُبات وانقطاع عن الحياة، إنهم في قبضة الله كما هُمْ دائمًا، لا يردُّهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة الله. روي عن الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ في تحليله لعملية النوم أنه قال: (يخرج الروح عند النوم، ويبقى شعاعه في الجسد فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عادت الروح إلى الجسد بأسرع من لحظة) .
والآية الكريمة من سورة الزمر تشير إلى أن آليَّة الموت والنوم واحدة، وهي خروج الروح عن نطاق الجسد، غير أن الروح تعود إلى الجسد حين انتهاء مدة النوم، بينما تبقى في عالم الأرواح دون عودة إليه حين الوفاة. ولعل ماهيَّة النوم من أقوى البراهين الدالَّة على وجود سرٍّ عظيم للروح، يتجسَّد بأحاسيسها ومشاعرها وحركتها، وكذلك الرؤى الَّتي يراها النائم في حلمه، حيث يقابل أناسًا آخرين، والَّتي يتحقَّق بعضها على أرض الواقع.