الصفحة 1237 من 1412

والمقصود من الآية أن الله يتوفَّى النفوس على وجهين: أحدهما وفاة كاملة دائمة هي الموت، والآخر وفاة مؤقَّتة هي النوم، لأن النائم كالميِّت في كونه لا يسمع ولا يبصر، ومنه قوله تعالى: {وهو الَّذي يَتَوفَّاكُم باللَّيلِ} . ويطلب الله منَّا أن نُمعن التفكير في واقعتي النوم والموت، لأن فيهما دلالات على قدرة ربِّ العالمين العظيمة الكامنة في استمرارية الحياة بعد الموت، ودليلًا على أن النوم والموت يختصَّان بالجسد دون الروح. وفي الآية تنبيه على عظيم قدرته تعالى، وانفراده بالألوهيَّة، وأنه يُحيي ويُميت، ويفعل ما يشاء، لا يقدر على ذلك سواه، ولهذا قال تعالى: {إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يَتَفكَّرون} أي إن في هذه الأفعال العجيبة لعلامات واضحة قاطعة على كمال قدرة الله وعلمه، لقوم يجيلون أفكارهم فيها ويعتبرون. وفي ذلك أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل: باسمك ربِّي وضعت جنبي، وباسمك أرفعه، إن أمسكتَ روحي فارحمها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» .

ومن آيات عظمة الله أنه محيط بالإنسان، عالم بجميع تقلُّباته وتصرُّفاته، وحركاته وسكناته في الليل وفي النهار، في الظاهر والباطن، كما قال تعالى: {سواءٌ منكم من أَسرَّ القولَ ومَن جَهَرَ به ومَن هو مسْتَخفٍ باللَّيلِ وسارِبٌ بالنَّهار} (13 الرعد آية 10) . وأعمال ابن آدم مسجَّلة في سجلات لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، فإذا رُدَّ إلى ربِّه بعد الموت الحقيقي وجد صحيفة أعماله بانتظاره، ليحاسَب على ما فعل من خير أو شر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت