الصفحة 1238 من 1412

ولئن كان الإنسان وهو المخلوق الضعيف قد استطاع صنع آلات تسجيل صوتية فقط، أو مسموعة ومرئية معًا، تستطيع أن تستوعب الكثير من المعلومات، وضمن أفلام صغيرة للغاية (ميكروفيلم) يمكن أن تحفظ وثائق هامة يُرجع إليها وقت الحاجة، فكيف بقدرة الله في تسجيل أعمال الإنسان ما ظهر منها وما بطن؟ وحتَّى نوايا الإنسان فإنها لا تغيب عن علم الله تعالى؛ فله القوَّة والجبروت والتفوُّق على سائر مخلوقاته.

ومن تمام عدل الله تعالى أنه يرسل ملائكة تحفظ أعمال العباد ليحاسَبُوا عليها بدقَّة، وهي تحفظهم مما غاب عنهم من العالم غير المنظور، قال تعالى: {وإنَّ عَليكُم لحافِظين* كرامًا كاتبين * يَعلَمُون ما تَفعلون} (82 الانفطار آية 10ـ12) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلُّون» (رواه البخاري ومسلم) وهكذا نتحسَّس هيمنة الألوهية الحقيقية الَّتي تتجلَّى بالقوَّة القاهرة فوق العباد، والرقابة الدائمة الَّتي لا تغفل عنهم، وتقرِّر مصيرهم المحتوم الَّذي لا مفرَّ منه ولا مهرب، والحساب الأخير الَّذي لاشكَّ فيه.

والحكمة من كتابة الأعمال وحفظها أن المكلَّف إذا علم أن أعماله تُحفظ في السجلات، وتُعرض على الأشهاد، كان ذلك العلم دافعًا ومحرِّضًا له على عمل الصالحات، والابتعاد عن الفواحش والمنكرات. وهذا من شأنه أن يلقي ظلاًّ من الرقابة المباشرة على كلِّ نفس، ظلاًّ من الشعور بأن النفس غير منفردة لحظة واحدة، وغير متروكة لذاتها لحظة واحدة، بل إنَّ هناك رقيبًا يُحصي كلَّ حركة ويحفظ ما يصدر عنها، وهذا التصوُّر كفيل بأن تستيقظ به جوارح الإنسان وتنجلي به بصيرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت