الصفحة 1241 من 1412

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات» (رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ) كلام مختصر جمع التذكرة، وأبلغ في الموعظة. فالموت حقٌّ ولكنَّنا نتغافل عن وجوده منساقين وراء الهوى، ومنشغلين بحبِّ الدنيا الَّذي هو رأس كلِّ خطيئة، والأَوْلى أن تستقرَّ هذه الحقيقة في نفوسنا، حقيقة أن الحياة على الأرض موقوتة، محدودة الأجل، وأن الكلَّ ميت لا محالة، لا فارق بين نفس وأخرى في تذوُّق هذه الجرعة، الَّتي سيطوف بها الساقي علينا جميعًا، إنما الفارق في المصير الَّذي يجب أن يُحسبَ له ألف حساب. والموت ينزل بالإنسان حيثما كان، ولا علاقة له بحصانة المكان الَّذي يحتمي به أو قلَّة حصانته، فقد يقتحم المرء غمار الحرب ولا يُصاب بأذى، وقد يموت المعتصم في البروج المشيَّدة. والبروج كلمة ذات مدلول واسع، فقد تدلُّ على القلاع المنيعة، وقد يُقصد بها الأقنعة النفسية الَّتي يختبئ وراءها كثير من الناس، كاعتقاد القوَّة والصحَّة في الذات، أو سعة الغنى أو غير ذلك من الأمور الَّتي يغترُّ بها الإنسان، ولكنَّ هذا كلَّه لا يجدي أمام الموت، ومهما كانت الدلالة فالنتيجة واحدة، وهي أن الموت حقٌّ ولا مفرَّ منه. ويعني ذلك أن يأخذ الإنسان حذره وحيطته، وكلَّ ما يدخل في طوقه من استعداد ووقاية لحماية نفسه، الَّتي هو مؤتمن عليها، فالإنسان مُلزمٌ بالعناية بنفسه وصحَّته وعليه ألا يوردها موارد التهلُكة، لكن إذا جاء الأجل فلا يحول دون الموت حائل.

أما بعد الموت فلابدَّ من الحساب، حيث تُوفَّى كلُّ نفس أجرها كاملًا يوم القيامة، فمن نُحِّيَ عن النار وأُبعد عنها، وأُدخل الجنَّة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم الخالد، ولفظ (زُحزح) ذو إيحاء، فكأن للنَّار جاذبية تشدُّ إليها من يقترب منها، فهو بحاجة إلى من يزحزحه قليلًا قليلًا، ليخلِّصه من براثنها وحبائلها، ويدخله الجنَّة وعندئذ يكون قد فاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت