فهرس الكتاب
إن مباهج الدنيا ليست إلا متاعًا من شأنه أن يخدع الإنسان، ويشغله عن تهذيب ذاته بالمعارف والأخلاق الَّتي ترقى بروحه إلى سعادة الآخرة. فعلى العاقل أن يحذر من الإسراف في هذه المباهج، وأن يُعرِضَ عن إنفاق المال فيما لا يفيد، والأجدر به أن يسعى لكسب عِلْمٍ يرتقي به عقله، أو عمل صالح ينتفع منه وينفع به غيره مع إصلاح السريرة وخلوص النيَّة، قال بعض الصالحين: [عليك نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر] .
وقد أوحت النفس الأمَّارة بالسوء للمنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسبوا إليه كلَّ ضرر يصيبهم، فكانوا إذا أصابتهم حسنة من نصر أو غنيمة، قالوا هذه من جهة الله ومن تقديره، ولِما عَلِمَ فينا من الخير، وإن أصابتهم سيئة من مرض أو جوع، قالوا هذه بسبب اتِّباعنا محمَّدًا ودخولنا في دينه. وقد أرادوا بذلك تجريح قيادة الرسول عليه السَّلام في محاولة للخلاص من التكاليف الَّتي يأمرهم بها، ونتيجة لسوء تصوُّرهم وقصور فهمهم لحقيقة ما يجري في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله، وطبيعة أوامر الرسول لهم، وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى.
فنسبة الحسنة أو السيئة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشر، نسبة غير حقيقية، تدلُّ على عدم فهمهم مثل هذه الأمور، ولو فهموا لعلموا بأن الكلَّ من عند الله. أما المؤمن الحقيقي فهو يجد الله محيطًا به في دائرة حياته كلِّها، لذلك يتقيَّد بقوانينه ويقطف ثمراتها، فإن أجاد التقيُّد والالتزام، أصابته الحسنات والخيرات، وإن قصَّر أو أخطأ في التنفيذ، ناله سوء تقصيره.