الصفحة 1244 من 1412

كيف يمكن للنفس البشرية أن تصل إلى مرحلة الاطمئنان بالله، وإلى مرحلة الرضا الكامل عن الله وبالله عزَّ وجل؟. إن الأنبياء والأولياء الصالحين يمضون حياتهم في عبادة مستمرَّة، وفي اتصال مستمرٍّ بحضرة الله، وعلى الرغم من ذلك كلِّه نجد لسان حالهم يقول: (اللهمَّ يامقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبي على دينك وأوصلني إلى شاطئ الأمان بأمان) . فالوصول إلى درجة الطمأنينة والاستقرار، هو أرفع وسام يمنحه ربُّ العالمين لعباده المؤمنين الأخيار الأطهار؛ عندما يُعْلمهم بأن لهم مقعد صدق عند مليك مقتدر، فيشعرون بالرعاية الكاملة من قبل حضرة الله، وأنهم مقرَّبون ومُصْطَفَوْن، وأنهم بأعين الله وعنايته يسيرون، ومع ذلك فإن الشكر يدفعهم لطلب المزيد من الوصال، والخوف يمنعهم من أن تغفل قلوبهم لحظة عن الاتصال، أو أن يوقعهم الشيطان في أوهام أو ظلمات. هذه النفس وهي تغادر قفصها البشري، تنطلق مغرِّدة فرحة، مستبشرة في رحاب الله وأمنه، وهي تُنادَى من الملأ الأعلى: {ياأيَّتها النَّفس المطمئنَّة} في روحانية وتكريم؛ لقد استيقنتِ الحقَّ، فلم يخالجك شكٌّ، ووقفت عند حدود الشرع، فلم تزعزعك الشهوات، ولم تضطرب بك الرغبات، لذلك لن يلحق بك اليوم خوف ولا فزع، فارجعي إلى دار الخلود بعد غربة الأرض، ارجعي إلى ربِّك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة، راضية عما عملت في الدنيا، مرضيًّا عنك، إذ لم تكوني ساخطة، لا في الغنى ولا في الفقر، ولم تتجاوزي حدود الشرع فيما لك من حقٍّ، وما عليك من واجب، فادخلي في زمرة عبادي المكرمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت