فهرس الكتاب
والآية تستثني صغائر الذنوب رحمة وتفضُّلًا من الله جلَّ وعلا فتقول: {إلاَّ اللَّمم} وهو ما قلَّ وصغُر من الذنوب. أخرج ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما اللَّمم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو الَّذي يُلمُّ بالخطرة من الزنا ثمَّ لا يعود، ويلمُّ بالخطرة من شرب الخمر ثمَّ لا يعود، ويلمُّ بالسرقة ثمَّ لا يعود» ، وقيل فيه: [والصغائر الَّتي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله: كالغمزة والنظرة] ، وقيل أيضًا: [إلا اللَّمم الَّذي يُلمُّ بالذنب ثمَّ يدعه] . كما قيل: [اللَّمم ما يعمله الإنسان المرَّة بعد المرَّة ولا يتعمَّق فيه ولا يقيم عليه] ، وهذا القول أكثر تناسبًا مع قوله تعالى اللاحق: {إنَّ ربَّكَ واسعُ المغفرة} فذِكْرُ سعة المغفرة، يناسب أن يكون اللَّمم هو الإتيان بتلك الذنوب ثمَّ التوبة عنها.
والَّذين أحسنوا هم من يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلا أن يقعوا في شيء منها، وعندها يعودون سريعًا ولا يُصِرُّون عليها، كما قال الله جلَّ وعلا: {والَّذين إذا فعَلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسَهُم ذكروا الله فاستغفَروا لذنوبِهِم ومن يغفرُ الذُّنوبَ إلاَّ الله ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربِّهم وجنَّاتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونِعمَ أجرُ العاملين} (3 آل عمران آية 135ـ136) .
ومن هنا نلاحظ تدرُّج الأحكام القرآنية للوصول إلى الحكم النهائي المبرم حسب قوَّة عقيدة المؤمنين، واستعدادهم لتحمُّل المزيد من مجاهدة النفس وتزكيتها.