الصفحة 1284 من 1412

يوجِّه الله تعالى عباده المؤمنين ليتسامحوا مع المشركين والكفار، الَّذين لا يؤمنون بلقاء الله، إذا نالهم منهم أذى أو مكروه، وأن يصبروا على أذاهم، ويكظموا غيظهم، ويَعِدُهُم مقابل ذلك بالثواب العظيم في جنَّات النعيم. والواقع أن الَّذين لا يرجون لقاء الله تائهون تستدعي حالتهم الإشفاق عليهم، لحرمانهم أنفسهم من ذلك النبع الفياض، نبع الإيمان بالله الَّذي يزخر بالنداوة والرحمة والقوَّة والثراء، والله وحده هو الَّذي ينبغي الطمأنينة إليه، والاحتماء بركنه، واللجوء إليه في ساعات الكرب والضيق. والَّذين لا يرجون أيام الله، لم يَحرموا أنفسهم هذا الخير العميم فحسب، بل إنهم حجبوها أيضًا عن المعرفة الحقيقية المتَّصلة بنواميس الكون، وما وراءها من القوى والثروات... لذلك يجدر بالمؤمنين الَّذين يملكون كنز الإيمان وذخره، ويتمتَّعون برحمته وفيضه، أن يتجاوزوا عما يبدر من أولئك المحرومين، من نزوات وحماقات، وأن يتركوا الأمر كلَّه لله، فهو يتولَّى جزاء المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ويسجِّل لهم هذه المغفرة والعفو عن الإساءة إليهم في سجل الحسنات، وذلك فيما لا يُشيع الفساد في الأرض، أو يُعتَدى به على حدود الله وحرماته.

ويعقِّب على هذا بفرديَّةِ التبعة، وعدالة الجزاء، وتوكيد الرجوع إلى الله وحده في نهاية المطاف، فيقرِّر أن من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وبذلك يتَّسع صدر المؤمن، ويغلب حلمه غضبه، فيحتمل الإساءات الفردية والنزوات الحمقاء من المحجوبين مرضى النفوس والعقول، في غير ضعف، وفي غير ضيق، فهو أكبر وأقوى، وهو حامل مشعل الهدى للمحرومين من النور، والأمر كلُّه لله في البداية والنهاية. ويهدف الإسلام من الحثِّ على الصبر، وترك الأمر لله أولًا وآخرًا إلى نبذ المنازعات والخصومات حتَّى يتماسك بناء المجتمع الإسلامي، ويعلو صرحه.

سورة الإسراء (17)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت