فهرس الكتاب
الطغيان هو تجاوز الحدود الشرعية والمعايير الأخلاقية الَّتي رسمتها الشرائع السماوية، أو فرضتها طبيعة التعامل بين النَّاس بعضهم مع بعض. والطاغية إنسان مستبدٌّ متسلِّط؛ لا يخشى الله في تصرَّفاته، ولا يراعي حقوق النَّاس وكراماتهم، همُّه الاستزادة من المتع والمال، قد آثر الحياة الدُّنيا على الآخرة، فعمل لها وحدها، ولم يحسب للآخرة حسابًا. ومن كان هذا شأنه اختلَّت الموازين في يده، واختلَّت قواعد الشعور والسلوك في حياته، وغدا طاغيًا باغيًا متجاوزًا للحدود، تراكمت غيوم ذنوبه السوداء في ساحة قلبه، وغلَّفته بأُطُرٍ صلدة من القسوة والجبروت، فلا يجدي معه إلا المعالجة الموجعة لإزالة هذه التراكمات من أعماق نفسه، وإعادته إلى رحاب الفطرة النقية، ليصبح أهلًا للسجود على أعتاب الحضرة الإلهية، ونيل مغفرة الله ومحبَّته.
ولابُدَّ للمرء لكي ينضبط سلوكه وتتَّزن تصرَّفاته، من خوف من الله ينغرس في أعماقه، ويلجمه عن تجاوز الحدود أو الإساءة للآخرين، كما هو شأن الأنظمة الدنيوية مع الأفراد، فكلَّما ازداد خوفهم من هيبتها وقوَّتها، كلمَّا التزموا بها، وحرصوا على تطبيق قوانينها. وهذا الخوف لا يمكن أن يتحقَّق إذا لم نعرف ممَّن يجب أن نخاف، ونعرف مدى عظمته وقدرته على صيانة قوانينه، ومعاقبته على الإخلال بها، وهكذا فإننا كلمَّا ازددنا معرفة بالله تعالى ومحبَّة له، كلمَّا ازداد خوفنا منه، وأحجمنا عن مخالفة أوامره أو معصيته. فالَّذي يخاف مقام ربِّه لا يُقدم على معصية، فإذا أقدم عليها، بحكم ضعفه البشري، قاده خوفه من هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة، وعاد إلى دائرة الطاعة.