فهرس الكتاب
زكريَّا عليه السَّلام نبي من أنبياء الله، أفنى حياته في الدعوة إلى الله وخدمة الهيكل المقدَّس في مدينة القدس، وقد كان يتمنَّى أن يرزقه الله ولدًا يواصل دعوته من بعده، خوفًا على قومه من الضلال بعد أن بدأت بوادره تظهر فيهم. ولكنَّ تقدُّمه في السن، وعقم زوجته، أضعفا لديه الأمل في الإنجاب. لكنه حين رأى الكرامة الَّتي منحها الله تعالى للصِدِّيقة مريم، والعناية الإلهية الَّتي أحاطت بها أثناء كفالته لها، تحرَّكت في أعماقه الرغبة الفطريَّة من جديد، فاتَّجه إلى ربه بالدعاء، خاشعًا له معترفًا بفضله، مصرِّحًا بضعفه وعجزه أمام قدرته وسلطانه، ملتمسًا تلبية ندائه وتحقيق أمنيَّته بأن يهبه مولودًا صالحًا، فهو السميع المجيب، وهو وحده القادر على كلِّ شيء. فأثابه الله على عظيم ثقته به، وصدق يقينه بإجابته، فحقَّق مراده؛ فبينما كان زكريَّا عليه السَّلام واقفًا في المحراب (مكان عبادته) يصلِّي، أتته الملائكة تحمل إليه البشرى بمولود ذكر اسمه (يحيى) ، ولم تقتصر البشارة على المولود، بل حدَّدت ملامح شخصيَّته، تثبيتًا وطمأنة للوالد الصالح الَّذي سلَّم كلَّ أمره لله، فالمولود سيكون نبيًَّا مصدِّقًا برسالة عيسى عليه السَّلام الَّذي أوجده الله بكلمة منه، وهو سيِّد في العلم والعبادة والصلاح والتَّقوى، يحبس نفسه عن الشهوات، ويصونها عفَّة وزهدًا، فالبشارة الثانية بنبوَّة يحيى كانت أغلى وأسمى من البشارة الأولى وهي المولود المنتظر. وفي ذروة فرحه وسروره بهذه البشارة، يرجع إلى نفسه ويتفكَّر في واقعه، ممَّا يدفعه إلى التساؤل والعجب، إذ كيف سيكون له ولد بعد أن أحاط الكبر به وبزوجته، وأدركتهما الشيخوخة؟! فكان عمره آنذاك مائة وعشرين سنة، وزوجته عقيم وعمرها ثمان وتسعون سنة، وأيٌّ من السببين عادةً مانع من الولد، ولكنَّ يقينه بأن الله لا يعجزه أمر مهما بلغت صعوبته أبقى فؤاده هادئًا في ظلال اليقين، فمتى شاء الله أمرًا