فهرس الكتاب
هيَّأ له أسبابه أو خلقه من غير أسباب، فلا يحول دون مشيئته شيء!.
وبعد أن تيقَّن زكريا عليه السَّلام من قبول دعائه، واستجابة الله له، سأله عن علامة تدلُّه على وقوع الحمل، وكان سؤاله بدافع السرور، أو ليطمئن قلبه بحصوله، أو ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها، فوجَّهه الله إلى طريق الاطمئنان الحقيقي بقوله: آيتك ألا تتكلَّم مع الناس إلا بالإشارة، ثلاثة أيام بلياليها مع أنك سويٌّ صحيح. والقصد أن يأتيه مانع سماوي يمنعه من الكلام، ولكنَّه لا يمنعه من الذكر والتسبيح لذات الله العليَّة، بل إن الله سبحانه وتعالى قد أمره أن يستزيد من التسبيح والشكر، وأن ينزِّهه عن صفات النقص بقوله: (سبحان الله) في أوَّل النهار وآخره وعلى مدار الساعة وطيلة الأوقات، وكان هذا التسبيح شكرًا حقيقيًّا للنعمة الَّتي أفاءها الله عليه بقدوم المولود الَّذي بُشِّر به. فقد استجيبت الدعوة وتحقَّقت الأمنية، ثمَّ بدأت آيات البشارة تظهر على الغلام شيئًا فشيئًا؛ حتَّى إذا بلغ مبلغًا يُخاطَب به، أتاه الخطاب من الله تعالى: {يايحيى خُذِ الكتابَ بقوَّةٍ} أي خذ التوراة الَّتي هي نعمة الله على بني إسرائيل، بجدٍّ ومثابرة وعزيمة، وحرصٍ على العمل بها، والدعوة إليها، والحكم بما فيها.