الصفحة 230 من 1412

وبعد هذه الرحلة شرع محمَّد يعمل بالتجارة، وهي العمل الَّذي كان يمارسه أجداده وقومه، لكون مكَّة واديًا غير ذي زرع. ولما بلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة، سافر إلى بلاد الشام للمرَّة الثانية، في تجارةٍ تخصُّ خديجة بنت خويلد، وهي سيِّدة كانت توكل إلى الرجال أمر تجارتها، وقد رغبت في إسناد هذه المهمَّة إلى محمَّد، الَّذي عُرف بين القوم بحسن الخلق، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، حتَّى اشتُهِر عنه لقب (الصادق الأمين) ، وصار موضع ثقة الناس واحترامهم. وقد أرسلت معه خادمها ميسرة، فذهبا واتَّجرا بمالها وربحا ربحًا وافرًا، ولما رجَعَا إلى مكَّة أخبر ميسرة سيِّدته بما رأى من غرائبَ شَهِدَها بصحبته محمَّدًا في تلك الرحلة؛ فقد كان من شأنه أنه كلَّما اشتدَّ الحرُّ، رأى ملَكين يظلِّلانه من حرارة الشمس وقيظها، فأُعجِبت خديجة بما سمعت، وأرسلت إليه تخطبه لنفسها وكانت في الأربعين من عمرها، فقبل محمَّد وأرسل عمَّه يطلب يدها من أهلها ثمَّ تزوجها.

وهكذا استقرَّت أوضاع محمَّد الاجتماعية والمادية، حتَّى إذا تجاوز الثلاثين، بدأت حياته تأخذ منعطفًا جديدًا، فحُبِّب إليه العزوف عن الناس في أغلب أوقاته، إلا فيما كان فيه حقٌّ للمجتمع كمساعدة الضعيف، ونُصْرة المظلوم، وإكرام الضيف، وصلة الرحم. وصار شديد الميل إلى العزلة والخلوة الَّتي كانت بمثابة مرحلة إعداد روحي للنبوَّة، واتَّخذ من غار حراء مكانًا لخلوته هذه، بعيدًا عن الناس، حتَّى أتاه الوحي وأُمِرَ بالتَّبليغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت