فهرس الكتاب
إنَّ الوحي السَّماوي هو السِّمة البارزة، والعلامة المميَّزة الَّتي تفرِّق بين الحقيقة والادِّعاء، وهو السِفارة الإلهيَّة بين الأرض والسماء، ينزِّله الله على من اصطفى من الرسل والأنبياء. وهو الفيصل الوحيد بين الإنسان الَّذي يفكِّر ويشرِّع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الَّذي يبلِّغ عن ربِّه دون أن يغيِّر أو يزيد أو ينقص، فينقل بواسطة هذا الوحي كافَّة الإخبارات الغيبية، وشؤون العقيدة وأحكام التشريع.
إن تصديق المسلمين وإيمانهم بظاهرة الوحي وخبر السماء، هو تصديق لما جاء به محمَّد صلي الله عليه وسلم من عند الله، وإن أدنى تشكيك بحقيقته يورث تشكيكًا بكلِّ ما قد يتفرَّع عنه من عقائد وأحكام. وكلمة الوحي تحمل مدلولات كثيرة، ولكنَّها إذا أُسنِدت إلى النَّبي محمَّد صلي الله عليه وسلم فهي تدلُّ على خبر السماء الَّذي كان ينزل به جبريل الأمين، ليبلِّغه إلى الناس أجمعين. أمَّا قصَّة بدء الوحي المَروِيَّة، فقد رواها مسلم وغيره بالنصِّ التالي: «عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أوَّل ما بُدئ به رسول الله صلي الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (في الوضوح لأنها من وحي الله تعالى) ، ثمَّ حُبِّب إليه الخلاء (أي حبَّب الله إليه أن يختلي بعيدًا عن الناس) ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث (أي يتعبَّد) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثمَّ يرجع إلى زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فيتزوَّد لمثلها حتَّى جاءه الحقُّ (أي جبريل عليه السَّلام) وهو في غار حراء فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطَّني (أي ضمَّني بشدَّة إلى صدره) حتَّى بلغ مني الجهد ثمَّ أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطَّني الثانية حتَّى بلغ مني الجهد ثمَّ أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطَّني الثالثة ثمَّ أرسلني فقال: اقرأ باسم