فهرس الكتاب
ولم تقتصر مهمَّته صلى الله عليه وسلم في التزكية على تطهير العقول من المعتقدات الباطلة؛ بل إنها اهتمَّت إلى جانب ذلك بتطهير النفس من الصفات الناقصَّة، والعادات الذميمة. وقد تمكَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلوغ هذه الغاية فأسَّس المجتمع الفاضل وأوجده على أرض الواقع والحقيقة، وكان المزكِّي الأعظم الَّذي زكَّى نفوس أصحابه بأقواله وأحواله وأعماله، وبذل في سبيل هذه المهمَّة جميع الوسائل الموصلة إليها، والَّتي كان من أهمِّها الدعوة إلى مجاهدة النفس، والعمل على تخليصها من رذائل الصفات وتحليتها بفضائل الأخلاق ومكارمها. وحقيقة المجاهدة هي السُّمُو بصفات النفس البشرية، وتصعيدها من السيء إلى الحسن بل إلى الأحسن؛ لأنها مفطورة على الخير ولديها القابلية للشر. وجوهر عملية التزكية يكمن في العمل على الارتقاء بالنفس، درجة درجة، إلى أن تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فهي تحيلها من كونها أمَّارة بالسوء إلى نفس لوَّامة، تلوم صاحبها كلَّما قصَّر وأساء، فإذا ما تاب واستقام على الخير سكنت، وارتقت في معارج الصفاء، فصارت نفسًا مطمئنَّة، راضيةً عن ذاتها، مَرْضِيَّة عند مولاها.
والجدير بالذكر هنا أن الآيات الكريمة عندما حدَّدت مهامَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد جعلت مهمَّة التزكية سابقة، ومهمَّة التعليم لاحقة؛ إشارة إلى أهمية مرحلة تطهير النفس في بناء شخصية المسلم، وإلى دورها الأساسي في ضمان نجاح عملية التعليم وجني ثمارها. فالعلم المجرد عن التزكية علم قد يدمِّر صاحبه، ويدفعه في طريق حبِّ التعالي والسيطرة والابتزاز، ممَّا يعود عليه وعلى البشرية بالخسارة والهلاك، وهذا هو العلم الَّذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع» . (رواه ابن حبَّان عن أنس بن مالك) .