الصفحة 329 من 1412

والله جلَّ وعلا يقرِّر أن القرآن شفاءٌ ورحمة، ولكن لمن خالطت قلوبَهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتَّحت لتلقِّي ما في القرآن من تعاليم وإرشادات. ففيه شفاءٌ من الوسوسة والقلق والحيرة، لأنه يصل القلب بالله فيستشعر حمايته فيسكن ويطمئن، مصداق قوله تعالى: {الَّذين آمنوا وتطمئنُّ قلُوبُهُم بذكر الله ألاَ بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب} (13 الرعد آية 28) وفيه شفاءٌ من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب الَّتي تصيبه بالوهن والضعف، وتدفع به إلى اليأس والانهيار. وفيه شفاءٌ من الاتجاهات المخلَّة بالشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفُّه عن هدر طاقته فيما لا يجدي، ويجعله يأخذ بمنهج سليم منتظم. وهو كذلك شفاءٌ للجسد، إذ يجعل الإنسان يوزِّع طاقاته باعتدال، بلا إفراط ولا تفريط، ويدَّخرها للإنتاج المثمر؛ وذلك بدعوته إلى عدم الإفراط في الطعام، وإلى الامتناع عن الزنا والشذوذ، لوقايته من الأمراض الجنسية المهلكة، وكذلك هو حماية من أضرار الخمر وكلِّ المسكرات والمخدِّرات بتحريم تعاطيها. وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية، الَّتي تفكِّك بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها، بما وضعه من نظام اجتماعي موزون، وعدالة شاملة تضمن سلامة الجميع وطمأنينتهم. يضاف إلى ذلك كلِّه أن القرآن الكريم جاء رحمة للناس جميعًا، ففيه الهداية وتفريج الكروب، وإصلاح العيوب، وتكفير الذنوب، مع ما تفضَّل به الله تعالى من الثواب في تلاوته، روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول ألم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» . إذًا ففي تلاوة القرآن ثواب وبركة، وفيه نور لاينتشر إلا بالعمل المثمر البنَّاء. ومع ذلك كلِّه فإن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت