فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة، لأن لهم آذانًا أصمُّوها عن سماع الحقِّ ووعيه، وقلوبًا مريضة عمياء غير مستعدَّة لتلقِّي الأنوار الإلهية الَّتي تحملها آياته، فإنْ حدث واستمعوا إليها فإنها لا تزيدهم إلا حيرة في أمرهم، وضلالًا في سعيهم؛ قال تعالى: {..قلْ هُوَ للَّذين آمنوا هُدىً وشفاءٌ والَّذين لا يُؤمنونَ في آذانِهِم وَقْرٌ وهو عليهِمْ عَمىً..} (41 فصلت آية 44) وهكذا فأصحاب القلوب السليمة ينتفعون بهذا الخير الإلهي الوفير، لأنه يتجاوب مع صدق إيمانهم وسلامة فطرتهم، وتصميمهم على العمل بموجبه، بينما يُعرِض الكافرون والمنافقون عنه فَيُلْقُون بأنفسهم بين أنياب البؤس والشقاء.
وفي الختام: لابدَّ أن نشير إلى التساؤلات المطروحة حديثًا حول الفرق بين الكتاب والقرآن. ونحن نؤكد وجوب التزامنا جميعًا بشريعة الله بمجملها؛ سواءً ما ورد منها في مصطلحات الكتاب أو القرآن أو الصحف أو الآيات، دون أن نغمط هذه التساؤلات حقَّها من جهة، ولا أن نجعلها سببًا لدخولنا في مناظرات فلسفية تحيد بنا عن صراط الله وشرعه القويم من جهة ثانية؛ والله أعلم بالنوايا وهو أعلم بالمهتدين.
الفصل الرابع:
الإعجاز العلمي في القرآن
لقد حوى القرآن فيما حوى تصوُّرًا لجانب من علم الله الشامل، ليهتدي العقل البشري به، فيرتاد آفاق العالم المعلوم منها والمجهول، فتتَّسِعُ المدارك، ويسطع نور الإيمان المطلق بوحدانية الله؛ الَّذي بيده مفاتيح العلوم كلِّها. ففي الوقت الَّذي كانت دراسة العلوم الكونية والطبيعية، في نظر بعض الشرائع السماوية، أمرًا محرَّمًا في العصور الماضية، جاء الإسلام ليكون أجرأ مَنْ كشف الحجب عن العقل البشري، ذلك الكنز الهائل الَّذي يحمله الإنسان في رأسه، فأمره بالبحث والدراسة في البرِّ والبحر، والتفكر في النفس البشرية، لإدراك عظمة الكون الَّتي تنمُّ عن عظمة خالقه، وليستفيد من بديع صنع الله وينتفع به.