الصفحة 357 من 1412

فإذا عُدْنا إلى قوله عزَّ وجل في سورة فاطر: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِن عبادهِ العلماءُ} ، لتأكَّد لنا أن هؤلاء العلماء، هم علماء الشؤون الكونية والحياتية بالدرجة الأولى؛ لأنهم كلَّما بحثوا ودقَّقوا في خلق الله، تبيَّن لهم دقَّة صنعه وإعجازه عزَّ وجل... ممَّا يثير في قلوبهم نوازع الخوف والرهبة، من عظمة الخالق فيما خلق.

إن مفاتيح العلوم الحياتيَّة هي العقل والتفكُّر والبصر والتدبُّر، وهي الأدوات الَّتي على المسلم أن يستعلمها من المهد إلى اللحد، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علمًا يُقرِّبني إلى الله تعالى فلا بُورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم» (رواه ابن عدي والطبراني وأبو نعيم عن عائشة رضي الله عنها) . هذه العلوم الَّتي كلَّما استزدت منها، كلَّما أعطتك المزيد عنها، وقد تنتهي أجيال دون أن ينتهوا من البحث فيها، حيث يأتي من بعدهم ورثة يتابعون البحث والاستقصاء ؛ وكأنِّي بهم وقد عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين النبيين درجة واحدة في الجنَّة» (رواه الدارمي عن الحسن رضي الله عنه ) . فبالله عليك؛ أيُّ علم نحيي به الإسلام، ونعطي الحماية للإسلام، وبه نعطي القوَّة للمسلمين سوى علوم الحياة المادية... وقد أكَّد هذه المقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «لا فقر أشدَّ من الجهل، ولا غنى أعودَ من العقل، ولا عبادةَ كالتفكُّر» (ورد في كنز العمال برقم 44135، عن أبي بكر بن كامل في معجمه، وابن النجار، مرويا عن الحارث بن علي) . والجهل بالعلوم الحياتية هو الَّذي يوصل إلى الفقر طبعا، لأنها ـ أي العلوم الحياتية ـ سبب تكسُّب الإنسان وغناه، ولأنَّ العلوم الفقهية والتعبُّديَّة، ما كانت يومًا سببًا أو وسيلة للغنى المادي. وهذا ما نستخلصه من قول الله عزَّ وجل: يرفع الله الَّذين آمنوا منكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت