الصفحة 381 من 1412

والحقيقة أن التدرُّج يشمل سنن الحياة كلّها؛ فالحليب في ضرع الأم يبدأ خفيفًا، وتزداد قوّته الغذائية وكثافته مع نموِّ الطفل، والمعلِّم يتعهَّد تلاميذه المبتدئين بأسهل المعلومات، ثمَّ يتدرَّج بهم حسب نضوجهم العقلي وسموِّهم الفكري. وكذلك الأمم تتقلَّب كما يتقلَّب الأفراد في أطوار شتَّى، فمن الحكمة في سياستها، وتشريعاتها، أن يُصاغ ويُختار لها ما يناسب حالها في الطور الَّذي تكون فيه، حتَّى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسب ذلك التشريع الأوَّل، كان لازمًا أن يوجد لها تشريع آخر يتَّفق وهذا الطور الجديد، وإلا لاختلَّ ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام.

فالله تعالى أنزل على نبيِّه في كلِّ حال ما يناسب الظروف الَّتي تحيط به وبالمؤمنين. ومن تأمَّل هذا الإبداع، والحكمة العظيمة في وجود النسخ في القرآن الكريم، اطمأنَّ إلى مناسبة التشريع الإلهي لكلِّ زمان ومكان. فالحكم المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، بينما الحكم الناسخ له يجيئ منوطًا بحكمة ومصلحة أخرى تتناسب مع الحال الجديد الَّذي أصبحوا عليه.

وقد روي عن ابن عباس ـ ترجمان القرآن ـ رضي الله عنه أنه كان يُفسِّر قوله تعالى: {يُؤتي الحكمة من يشاءُ ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا...} (2 البقرة أية 269) بأن المقصود بالحكمة، معرفة الناسخ والمنسوخ والحكمة منهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت