فعندما ندرس موضوع تحريم الخمر، ونعرف أن شرب الخمر كان مستحكمًا بين عرب الجاهلية، وكان استئصال هذه العادة - دفعة واحدة - أمرًا صعبًا جدًا، بل مستحيلًا، نجد عظمة الحكمة في التشريع القرآني عندما نزل تحريم الخمر بالتدريج، وعلى مراحل كانت نهايتها القضاء على هذه العادة المؤذية المستحكمة، وهذا ما شرحناه مفصَّلًا في فصل تحريم شرب الخمر وعقوبته. وهكذا فُرض الصوم بالتدريج، وحُرِّم الرِّبا على مراحل، كذلك جاء تعديل حكم المواريث منسجما مع اتساع دائرة الدخول في الإسلام من قبل فروع العائلة..
والسؤال الَّذي يُطرح كثيرًا: ما هي الفائدة من بقاء الآيات المنسوخة الحُكم في المصحف تُقرأ وتُتلى مع أن حكمها منسوخ؟!. والجواب على هذا السؤال يتضح في عدَّة نقاط أهمها:
ـ إن بقاء هذه الآيات يُذكِّر المؤمنين بنعمة الله عليهم من حيث تكامل التشريع وبلوغه الأفضل والأكمل.
ـ كما أن في بقاء هذه الآيات إشارة إلى أنه على المؤمن أن يتحلَّى بأسلوب القرآن، ويتَّخذ من حكمة التدرُّج سبيلًا لدعوة الناس إلى الحقِّ وهدايتهم إليه.
ـ ولعل أهم سبب لبقاء هذه الآيات يتلوها المسلم في صلاته وعباداته، هو الإيحاء بأنه من الممكن تطبيق بعض هذه الأحكام المنسوخة، في بعض الأوقات الخاصَّة، إذا اقتضت حكمة الدعوة والتشريع ذلك، مع الاهتمام بالانتقال من هذا الحكم المنسوخ إلى الحكم الناسخ في السرعة الممكنة.. وهذا أفضل أسلوب لشدِّ قلوب الناس إلى الإسلام، بدل تصعيب الأمور عليهم، أو محاسبتهم الحساب العسير، ممَّا يُنفِّرهم ويُبعدهم عن الصراط المستقيم.
الفصل العاشر:
أضواء على سورة الفاتحة
قال الله تعالى: {بسم الله الرَّحمن الرَّحيم (1) الحمدُ لله ربِّ العالمين (2) الرَّحمنِ الرَّحيم (3) مالكِ يَومِ الدِّين (4) إيَّاك نعبدُ وإيَّاك نستعين (5) إهدنا الصِّراطَ المستقيم (6) صراط الَّذين أنعمت عليهم غيرِ المغضوبِ عليهِم ولا الضَّالِّين (7) }
ومضات: