الصفحة 394 من 1412

ومتى استقرَّت عقيدة لا إله إلا الله في أعماق النفس، استقرَّ معها النظام الَّذي تتمثَّل فيه، وتلقَّت تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرِّضا والقبول، فلا تتلكَّأ بتنفيذها بل تسارع لتطبيقها بمجرَّد تلقِّيها إيَّاها. وهكذا أُبطِلت الخمر، وأبطل الرِّبا وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلُّها، أبطلت بآيات من القرآن الكريم، أو بكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في حين نرى أن السلطات البشرية تبذل قصارى جهودها وإمكاناتها العملاقة في سبيل حماية المجتمع من هذه التصدُّعات، فتضع القوانين والنظم والتشريعات، وتبثُّ الدعايات في مختلف وسائل الإعلام، وعلى الرغم من هذا كلِّه تبقى عاجزة عن المعالجة الجذرية، ولا تتمكَّن إلا من ضبط القليل ممَّا ظهر من المخالفات، الَّتي يتخفَّى أصحابها للقيام بها بعيدًا عن الأعين. وهنا تظهر ميزة التشريع السماوي، وروعة القرآن الكريم في طرحه قضية التَّوحيد، وما يترتَّب عليها عن طريق مخاطبة فطرة الإنسان بما في وجوده، وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات، وذلك بعد أن يوقظ فطرته من السُّبات وينعشها، ويفتح منافذها لتتلقَّى رسائل الوحي الإلهي المؤثِّرة وتستجيب لها. وقد تمَّ هذا التلقِّي لمسلمي عصر النبوَّة، على مدى ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، اكتمل خلالها بناء العقيدة، وكذلك نفذت إرادة الله في قيام القواعد الَّتي ساهمت في نشأة الأمَّة الإسلامية، وظهورها للعالم، لتكون خير أمَّة أخرجت للناس عقيدة وسلوكًا، ومنهجًا وواقعًا وعلمًا وعملًا، فكانت العقيدة هي الروح السارية في واقع المجتمع الفعلي، وكان واقع المجتمع تجسيدًا لروح العقيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت