الصفحة 401 من 1412

ومتى رسخت هذه المحبَّة وتعمَّقت جذورها في القلب، أصبح الله هو الغاية، فيجد المرء من حلاوة الإيمان، ولذَّة اليقين، وحسن الصلة بالله، ما تَقرُّ به العين وتتلاشى أمامه كلُّ الملذَّات، وهذا من علامات صحَّة النفس وسلامة القلب، ذلك أنه لا كمال لسعادة الإنسان، إلا بمعرفة جمال الله وجلاله، وشهود رحمته وحكمته. روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (متفق عليه) .

وقد أيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم جذوة المحبَّة وأشعلها في قلوب أصحابه، فأحبُّوا الله أعظم من حبِّهم لأنفسهم وآبائهم وأمَّهاتهم، ورَضُوا أن يبذلوا نفوسهم ومُهَجهم في سبيله وهم فرحون مستبشرون. وكان ممَّا حُفِظ من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبُّك، وحبَّ عمل يقرِّبني إلى حُبِّكَ» (رواه الترمذي بسند صحيح) .

إن محبَّة الله هي الَّتي حملت مصعب بن عُمَيْر على ترك ما كان ينعم به من طيب العيش في كَنَفِ أسرته، إلى الشظف والحرمان، حين عارض والداه إسلامه. قال عمر رضي الله عنه: «نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير، وعليه ثياب رثَّة فقال: انظروا إلى هذا الرجل الَّذي نوَّر الله قلبه.. لقد رأيتُه بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترون» (أخرجه البيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية) . ومحبَّة الله تعالى تقتضي محبَّة القرآن الكريم، ومحبَّة الشريعة السمحة، يقول عثمان رضي الله عنه: (لو سلمت منَّا القلوب ما شبعت من كلام الله عزَّ وجل، وكيف يشبع المحبُّ من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه) ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت