الصفحة 609 من 1412

وقيل في معنى هذه الآية: هي أن يأمر الإنسان أخاه بالمعروف ولا يأتمر به، وينهاه عن المنكر ولا ينتهي عنه، كقول الله تعالى: {أَتأْمُرونَ النَّاسَ بالبرِّ وتَنْسَونَ أنفسَكُمْ وأنتمْ تتلونَ الكتابَ أفلا تعقلون} (2 البقرة آية 44) فهذا فعل يبغض الله صدوره من المؤمنين وخاصَّة ممَّن يكونون في مقام الدعوة والإرشاد والتهذيب؛ فلا يعقل أن يعظ واعظ بترك الموبقات وهو غارق فيها إلى أذنيه، أو يرشد إلى طريق الجنَّة من هو مترنِّح على طريق النَّار، فهذا من أكبر الموبقات عند الله، لأن المسيء في عمله لا تتجاوز عظته الآذان؛ بل قد يوقع الناس في الفتنة والإعراض عن طريق الإيمان كُلِّيةً، حيث يتساءلون في أنفسهم: إذا كان القدوة يفعل بخلاف ما يقول فكيف بمن هم دونه؟، وإذا كان ما يتفوَّه به الواعظ من الحكمة والمواعظ لا يؤثِّر فيه شخصيًا، فهل يعقل أن يؤثِّر في عامَّة الأشخاص؟، إنه إذن القدوة السيئة، والأداة المنفِّرة عن طريق الله. فلو كان يرتكب ما يرتكبه دون أن يجعل من نفسه واعظًا وقدوة، لخفَّ الضرر الصادر عنه فيما يتعلَّق بالناس الباحثين عن الدليل إلى الحقِّ، وعن القدوة الصالحة. فما بالك بإنسان واعظ مرشد ينبِّه الناس إلى أضرار الغيبة، وآثارها السلبية والسيئة في المجتمع ثمَّ تراه في مجالسه الخاصَّة سمَّاعًا للغيبة، مشاركًا فيها، منغمسًا في آثامها؟، أليس الله بقادر على هؤلاء جميعًا وغيرهم ممَّن يملك من الكذب ألوانًا وأصنافًا؟! أليس في جهنَّم مكان يتَّسع لهم ويكون مستقرًّا دائمًا لهم؟! بلى إن جميع الفئات من الكاذبين المدجِّلين، لهم مقت شديد وعقاب مروِّع من الله، لما جنَوْه بحقِّ أنفسهم وحقِّ الآخرين!.

وحول هذه المعاني يقول الشاعر:

يا أَيُّها الرجل المعلِّم غيرَه هلاَّ لنفسك كان ذا التعليمُ

ابدأ بنفسك فانْهَهَا عن غيِّها فإذا انتهتْ فأنتَ حكيمُ

لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت