الصفحة 675 من 1412

ويبقى العدل هو الشرط الجوهري للتعدُّد، فلا يجوز للرجل أن يفرِّق بين نسائه في النفقة، أو المعاملة، أو حتَّى في بشاشة الوجه وحلاوة اللسان، فإذا فُقدت القدرة على العدل انعدم حقُّ الرجل في التعدُّد. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الصالحة والمثل الأعلى في تحرِّي العدل بين زوجاته، فكان يقسم بينهن ما يملكه من متاع، ثمَّ يتوجَّه إلى ربِّه داعيًا: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» (رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن السيِّدة عائشة رضي الله عنها) ولكنَّ الله تعالى، الَّذي فطر النفس البشرية ويعلم سرَّها ونجواها، علم أن تحقيق العدل المطلق يكاد يكون مستحيلًا، فالعدل المادي يمكن أن يتحقَّق، ولكنَّ العدل العاطفي والنفسي لا يمكن تحقيقه، فالإنسان يملك ما بين يديه ولكنَّه لا يملك ما يجيش به قلبه، لذلك أوصى الله الرجال ألا يميلوا إلى واحدة كلَّ الميل، وينصرفوا عن الأخرى، فتصبح كالمعلَّقة الَّتي ليست بذات زوج يرعى حقَّها، وليست مطلَّقة تملك حريتها، ممَّا يوقعها في الضيق ويفسد عليها حياتها، ويجعلها مثار قلق وإزعاج للزوج، بدل أن تكون سكنًا له وراحة وسعادة، فقال سبحانه وتعالى: {ولن تستطيعوا أن تَعدِلوا بينَ النِّساءِ ولو حَرَصْتُمْ فلا تميلوا كلَّ المَيْلِ فتَذَرُوها كالمُعلَّقَةِ وإن تُصْلِحوا وتتَّقوا فإنَّ الله كان غفورًا رحيمًا} (4 النساء آية 129) . وقد حذَّر الرسول الكريم من الميل إلى زوجة دون أخرى فقال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقَّيه ساقط» (رواه أحمد وأصحاب السنن) .

وهكذا فإن العقل الرشيد والحكمة البالغة المعهودة في شرع الله وأحكامه كلِّها، تقضي بالسماح له بالزواج الشرعي من الثانية مع الإبقاء على الأولى ولها كامل حقوقها بوصفها زوجةً صالحة كريمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت