فهرس الكتاب
وبهذا فقد رفع الإسلام ذوق المجتمع، ورقَّى إحساسه بالجمال، فلم يعد الطابع الغريزي للجمال هو المستحب، بل الطابع الإنساني المهذَّب. فجمال الكشف عن مفاتن الجسد ـ مهما يكن من التناسق والاكتمال ـ جمال حيواني، يهفو إليه الإنسان بحسِّ الغريزة الحيوانية، وأمَّا جمال الحشمة فهو الجمال الراقي، الَّذي يرقى معه الذوق الجمالي ويجعله لائقًا بالإنسان، ويحيطه بالطهارة في الحسِّ والخيال. فالإسلام يجعل من هذه الحشمة واجبة وإلزامية كوسيلة وقائية للفرد والمجتمع، ولا يكون التخلِّي عنها مباحًا إلا تجاه الفئة الَّتي ورد ذكرها في الآية الكريمة والَّتي تشمل: الآباء والأبناء، وآباء الأزواج وأبناءهم، والإخوة وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات، والنساء المختصات بهن للخدمة والصحبة، وما ملكت أيمانهن من الإماء أو التابعين الَّذين لا يكترثون بالنساء؛ وهم البُله والحمقى المغفَّلون الَّذين لا يدركون من أمور الجنس شيئًا، وإنما يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم. وكذلك الأطفال الَّذين لم يبلغوا سنَّ الشهوة والاستمتاع بالنساء، ولا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالميل الجنسي، فإذا ميَّزوا وثار فيهم هذا الشعور، ولو كانوا دون البلوغ فهم خارج هذا الاستثناء. ولم تذكر الآية الأعمام والأخوال وهم من المحارم، كما لم تذكر المحارم من الرضاع، والفقهاء مجمعون على أن حكم هؤلاء كحكم سائر المحارم المذكورين في الآية، أمَّا عدم ذكرهم فلأنَّهم بمنزلة الآباء، فأغنى ذكرهم عن ذكر الأعمام والأخوال، أمَّا المحارم من الرضاع فقد بيَّنتها السُّنة المطهرَّة: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النَّسب» (رواه الشيخان) .