الصفحة 688 من 1412

ولما كانت الوقاية هي الهدف من هذا الإجراء، فقد مضت الآية تَنهى المؤمنات عن الإتيان بالحركات الَّتي تعلن عن الزينة المستورة، ولو لم يكشفن فعلًا عن الزينة، وإن هذا ليدلُّ على معرفة عميقة بخفايا النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها، لأن الخيال يكون أحيانًا أقوى في إثارة الشهوات من العيان، قال ابن عباس رضي الله عنه: (كانت المرأة تمرُّ بالناس وتضرب برجلها ليُسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان) ، ويندرج تحت هذا النهي تحريك زينتها لتُظهِرَ ما خفي منها. ومن مستلزمات التَّقوى والحشمة ألا تخرج من بيتها متطيِّبة متعطِّرة، لأن للطيب أثرًا كبيرًا وعاملًا هامًا في إثارة الغريزة لدى الرجل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقي امرأة شمَّ منها ريح الطِّيب فقال: ياأمة الجبَّار! أجئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال لها تطيَّبتِ؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حِبِّي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقبل الله صلاة امرأة طُيِّبتْ لهذا المسجد حتَّى ترجع فتغتسل غُسلها من الجنابة» (رواه ابن خزيمة في صحيحه) .

ثم يفتح الله تعالى باب التوبة لعباده كما عوَّدهم دائمًا، ليرجعوا إلى طاعته فيما أمرهم به، من غضِّ البصر وحفظ الفرج، ليفوزوا بالسعادة الدائمة. ولكنْ للتوبة شروطًا هي: الإقلاع عن الذَّنْب، والندم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إليه، وردُّ الحقوق إلى أهلها؛ لا كما يظنُّ الناس الآن أنها كلمة تُلاك باللسان، دون أن يكون لها أثر في القلب، ولا عزم على عدم العودة، حتَّى إن كثيرًا ممَّن يزعمون أنهم تابوا يتحدَّثون عما فعلوه من الآثام على سبيل الافتخار، وهذا دليل على أن توبتهم كاذبة، وأنَّهم غافلون عن حقيقة ذنوبهم، فلا تنفعهم توبتهم شيئًا إلا من رحم الله وصدق منهم.

سورة الأحزاب (33)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت