فهرس الكتاب
ولا يخفى على كلِّ ذي بصيرة أن الإسلام وقف من الرقيق هذا الموقف الإنساني الأمثل، في وقت كان فيه الرِّق نظامًا عالميًا، ولا يملك وقتها أن يفرض تحريم الرِّق تحريمًا قاطعًا على كلِّ المجتمعات، لذلك وضع التشريعات الحكيمة الَّتي تزيل معاناة الرَّقيق في الحاضر، وتسير به إلى الحرِّية في المستقبل. ولو أننا نظرنا إلى المجتمع النبوي لوجدنا أنه لا فرق فيه بين عبد وحر، وقد حرَّر النبي صلى الله عليه وسلم مملوكه زيد بن حارثة رضي الله عنه فما اختلفت النظرة إليه قيد شعرة، فقد كان عزيزًا كريمًا وهو مملوك وبقي كذلك بعد الحرِّية، وأبعد من ذلك فقد وَجَدَ في مدرسة الإسلام ومجتمع الإسلام ضالَّته المنشودة وكرامته الإنسانيَّة المحفوظة، حيث رفض العودة إلى أهله بعد الحرِّية وآثر أن يعيش في كَنَفِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كَنَفِ الإسلام في المجتمع الإسلامي الَّذي رفع قدره، فأصبح أميرًا على جيش كبير في غزوة مؤتة، هذه هي حال الرَّقيق في ظلال الإسلام رقٌّ لا فرق بينه وبين الحرِّية. وتنتهي الآية الكريمة بالنهي عن كلِّ ما يناقض هذه الأخلاق كالكبر؛ لأنه من أشدِّ أعداء النفس الطيِّبة يوردها موارد الغرور والتعالي فيأنف من أقاربه وجيرانه، ويتعالى على الناس ويرى أنه خير منهم، في الوقت الَّذي لا يجدون فيه مناصًا من مبادلته شعوره والنفور منه، وهذا يستدعي بغض الله له والطرد من رحمته.
سورة لقمان (31)
قال الله تعالى: {ومن يُسْلِمْ وجهَهُ إلى الله وهو مُحْسِنٌ فقد استمْسَكَ بالعُروَةِ الوثقى وإلى الله عاقبةُ الأمور (22) }
ومضات:
ـ من الأخطار المحدقة بالأمَّة أن يقوم المؤمن بعبادات كثيرة لله ربِّ العالمين، دون أن يقرن ذلك بالإحسان إلى من حوله، والاهتمام بشؤونهم وهدايتهم، والعناية بدينهم وتقواهم؛ لأنه يكون بذلك منغلقًا على ذاته، محتكرًا للخير دون غيره، منعزلًا عن المجتمع وما ينبغي أن يكون فيه من ترابط وتراحم وتآزر.