الصفحة 794 من 1412

وختام ذلك فإن هناك رُخَصًا أُبيح فيها للمضطر أن يأكل شيئًا من المآكل الَّتي نصَّ الشارع على تحريمها، وذلك عند الاضطرار الشديد، كأن يصل الجوع بالإنسان إلى حدِّ الهلاك، وكذلك إذا وجد المضطر طعامًا لغيره فله أن يأكل منه ما يقيم به أَوَدَه، ولو لم يأذن له صاحبه، على أن يضمن له قيمته، وأن لا يكون مضطرًا إليه فيكون صاحبه أولى به. وهذا بيان على مدى يُسْر الإسلام ومراعاته لحاجات الإنسان وضروراته، قال الله تعالى: {..وما جعلَ عليكُم في الدِّينِ من حَرَج..} (22 الحج آية 78) .

أمَّا فيما يتعلَّق بالتداوي بالخمر فقد نهى الإسلام عنه لأن فيه زيادة في أذى المريض، فعن طارق بن سويد الجعفي: «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أضعها للدواء، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بدواء ولكنه داء» (رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي) وقد أجاز بعض أهل العلم التداوي بالكحول أو المواد المخدِّرة، بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقامها، وألا يقصد المتداوي بها اللذَّة والنشوة، وألا يتجاوز المقدار الَّذي يحدِّده الطبيب.

وبعد فإن الأحكام الشرعية هي جملة أوامرَ ونواهٍ، وضعها الله تعالى لتكون خططًا وبرامجَ لحياة الإنسان المادِّية والروحية ولحسن تعايشه مع من حوله، فلا يجوز للإنسان أن يحرِّم ما أحلَّ الله له من الأشياء الَّتي تطيب بها النفوس، وتميل إليها القلوب بحجَّة التنسُّك والتقرُّب إلى الله، فالله لا يحبُّ من يتجاوز حدود شرائعه ولو بقصد عبادته. إن تحريم الطيِّبات على النفس لتعذيبها ليس له أصل إلا في العبادات المتوارثة عن قدماء الهنود واليونان، قلَّدهم فيها أهل الكتاب فحرَّموا على أنفسهم ما لم تحرِّمه الكتب المقدَّسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت