الصفحة 804 من 1412

الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، عيدان في حزمة واحدة، تربطها النتائج المشتركة الَّتي تصدر عنها، وهي أنها تؤدِّي جميعًا إلى الفجور وإفساد بنية المجتمع. وقد بدأ الإسلام بكسر هذه العيدان بشكل منهجي، فغزا القلوب وطهَّرها أوَّلًا من رجس الشرك؛ باجتثاث جذور الجاهليَّة الفاسدة، الاجتماعيَّة منها والاقتصاديَّة والأخلاقيَّة، ثم نقَّى تربتها من رواسب الشيطان، وغرس فيها بذار عقيدة التَّوحيد الطيِّبة، فحلَّ بذلك عقدة الشِّرك، ومنع كلَّ ما من شأنه أن يشكِّل رابطة بين الإنسان والوثنيَّة وما يتَّصل بها لحكمة لا تخفى على كلِّ ذي لُبٍّ، وأهمُّ أشكال هذه الوثنية كانت الأنصاب والأزلام.

فالأنصاب هي الحجارة الَّتي كان الجاهليون يذبحون ذبائحهم عليها وينضحونها بها، وهي الرمز الأهم للوثنية. وأمَّا الأزلام فهي قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها على سبيل التفاؤل والتشاؤم، وهذا مناقض لما يؤمن به المسلم من أن القضاء والقدر هما من أمر الله وحده، وأنه لا دخل لأيَّة قوَّة في تسييرهما أو تحويل مجراهما نحو النفع أو الضرر، وأن علم الغيب من اختصاص الله لا يعلمه إلا هو، فلا يعلم القسمة إلا من قسمها. وبالقضاء على الأنصاب والأزلام انتهت المعالم الأخيرة لعبادة الأصنام، وتحرَّرت قلوب المؤمنين من قيود الوثنية، وانطلقت من أسر الخرافات والأضاليل والأوهام.

وبعد مرحلة الإعداد النفسي والروحي للمؤمنين، بدأ تشريع التكاليف المتعلِّقة بالشعائر التعبُّدية وبالحلال والحرام، فلاقت في هذه القلوب الطاهرة خصوبة وسرعة استجابة، وتنافسًا على الطاعة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشرع الحنيف جعل الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما نصَّ على حكمه وبيَّنه؛ بدليل قوله تعالى: {هو الَّذي خلقَ لكم ما في الأرضِ جميعًا..} (2 البقرة آية 29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت