فهرس الكتاب
من أجل ذلك كلِّه شدَّد الإسلام العقوبة على شارب الخمر، وأمر أن يُجْلَد ردعًا له وإنقاذًا لروحه؛ أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من شرب الخمرة فاجلدوه، قالها ثلاثًا، فإن شربها الرابعة فاقتلوه» . وفي صحيح مسلم أن عثمان رضي الله عنه قال: (جَلَدَ النبي شارب الخمر أربعين جلدة وكذلك فعل أبو بكر) . وعن الإمام علي كرَّم الله وجهه قال: (إذا شرب الرجل سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة) (رواه الدارقطني) . واجتناب الشيء لغة يعني الابتعاد عنه، والاجتناب للخمر لا يعني فقط الامتناع عن شربها؛ وإنما الابتعاد عن كلِّ ما يمتُّ لها بصلة، وعن كلِّ تعامل معها بأيِّ شكل كان، بدليل ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل فقال: يامحمَّد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها وساقيها ومسقيها» (أخرجه الحاكم وصححه البيهقي) .
على أن تحريم الخمر في الإسلام لم يأت دفعة واحدة، بل لقد جاء عبر مراحل وخطوات تمهيدية، لعلاج الأمراض الناجمة عنها، والمتغلغلة في حنايا النفوس وخلايا الجسد. وهذا من الحكمة الَّتي انتهجها الإسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية، فقد سلك بالناس طريق التدرُّج في تشريع الأحكام، حتى تتهيَّأ لها النفوس، وتصبح قادرة على تطبيقها، بقناعة فكرية وقبول نفسي، فبدأ بتنفير الناس من الخمر بطريق غير مباشر، كخطوة أولى، وذلك حين أنزل الله تعالى: {ومن ثمراتِ النَّخيلِ والأعنابِ تتَّخذونَ منه سَكَرًا ورزقًا حَسنًا..} (16 النحل آية 67) وهي تتضمَّن تلميحًا إلى ضرره مع وجود منافع اقتصادية للنخيل والأعناب، حيث ذكر أنهم اتخذوا من ثمراتها سَكَرًا ورزقًا فوصف الرزق بأنه حسن وسكت عن السَّكَر لِيَفهمَ السامعَ أنه قبيح.