الصفحة 808 من 1412

ثم تبعتها الخطوة الثانية، وهي تحريك الوجدان الدِّيني في نفوس المسلمين، وتنفيرهم بشكل مباشر من الخمر؛ عن طريق الموازنة بين نفعها المادي الضئيل، وضررها الجسدي والروحي الكبير؛ بنزول الآية الكريمة: {يسألونكَ عن الخمرِ والميسرِ قلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافِعُ للنَّاسِ وإثمُهُما أكبرُ من نفعِهِما..} (2 البقرة آية 219) وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأَوْلى مادام الإثم أكبر من النفع، إذ أنه قلَّما يخلو شيء من نفع، ولكن الحِلَّ والحرمة ترتكزان على غلبة الضرر أو النفع، فما غلب نفعه حلَّ وما رجح ضرره حرم.

ثمَّ كانت الخطوة الثالثة، وهي التحريم الجزئي للخمر في أوقات الصلاة، لما لها من أثر سيء على العقل والتفكير، فهي تفقد شاربها القدرة على التركيز والتوجُّه أثناء إقامة فريضة الصلاة، فنزلت الآية الكريمة: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تَقْربوا الصَّلاةَ وأنتم سُكارى حتَّى تعلموا ما تقولون..} (4 النساء آية 43) وفي هذا تقليل لفرص المعاقرة العملية للشراب، وكسر لسلطان عادة الإدمان، بتدريب الجسم على ترك الخمر في أوقات معينة، تساعده في النهاية على تركها نهائيًا. فكأنَّما حرَّم الخمر في هذا النصِّ سائر النهار، ولم يبق للمولعين بها إلا الليل من بعد صلاة العشاء، وفي هذا التضييق على شاربي الخمر، إعداد لهم وتأهيل، لاستقبال الحكم النهائي بالتحريم القطعي لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت