وفي غمرة تخبُّطه وفقده لتوازنه يبحث المرابي عن أعذار وتبريرات لعمله، فيدَّعي أن الرِّبا عمل شريف كالتجارة، والفرق شاسع بين هذا وتلك، فالرِّبا حرام لأن فيه ضررًا وغُبنًا يلحق بالمدين، ومنافعه تنحصر بالدائن وحده، بينما تكمن في البيع السليم منافع للناس وقضاء لحوائجهم، وتعود خيراته أو أضراره وخسائره على جميع الأطراف، فالخير إذا وُزِّع، عمَّ نعيمه الجميع، والضرر إذا وُزِّع، خفَّ حمله على الجميع، لذلك كان حلالًا صرفًا.
فما البيع إذن إلا تبادل منافع، والعمليات التجارية قابلة للربح والخسارة، وتخضع للمهارات الشخصية، والجُهد الفردي، والظروف الطبيعية الَّتي تدور هذه التجارة في فلكها. أمَّا الرِّبا فهو زيادة مشروطة مقتطعة من جهد المدين إن هو ربح، وعملياته محدَّدة الربح للمقرض سلفًا، مهما كانت ظروف المستقرض، سواء منها الربح والخسارة. إلا أن الكارثة أشدُّ والطامَّة أشمل عندما تحصل الخسارة، حيث تجتمع الأعباء على المدين، فيعجز عن سداد الرِّبا فضلًا عن أصل المال، الَّذي يزيد حينًا بعد حين، وهذا إجحاف في حقِّه ونهبٌ لجهده، وهذا هو الفارق الأساسي الَّذي ترتكز عليه علَّة التحريم. ثم إن الرِّبا يتحوَّل مع الوقت إلى إدمان ولا يزيد آكله إلا طمعًا ونهمًا، ولا يمكن القضاء على هذه الآفة بمجرد الكشف عن أضرارها وسلبياتها، بل لابدَّ إلى جانب ذلك من إيجاد دافع إيماني، يطال النفس ويحاسبها ويؤنِّبها، إلى جانب الوازع القانوني والتوجيهي.