الصفحة 913 من 1412

وقد أقام الإسلام سائر أنظمته الاقتصادية على أسس واقعية إيمانية دون أن يُحدث هِزَّة اجتماعية أو اقتصادية في المجتمع العربي آنذاك. فهو دين يرعى مصالح الجميع، ويتعامل مع الأمور بمنطقية وحكمة، لذلك لم يطالب المسلم بعد تحريم الرِّبا بردِّ جميع ما كان قد كسبه منه في حياته السابقة، لأن في ذلك إرهاقًا له قد يعجز عن تحمُّله، والإسلام يَجُبُّ ما قبله ويفتح صفحة جديدة للتعامل بين الناس. أمَّا من أحبَّ أن يطهِّر ماله ويزكِّيه، وكان ذلك في وُسْعه، فإنَّ ردَّه أَوْلى وأجدر وأكثر زُلفى إلى الله. وأمَّا من عاد إلى ما كان عليه من أكل الرِّبا والتعامل به، فأولئك لم يغمر الإيمان قلوبهم بعد، ولهم جزاؤهم عند ربِّهم؛ إذ أنه لا يمكن للإثم أن يجتمع مع الإيمان الَّذي يملأ النفس خوفًا ورهبة من عقاب الله تعالى.

وتُمْعِنُ الآية الكريمة في التحذير من الرِّبا والتنفير منه، فتشير إلى أن الله يُذْهِبُ بركة المال المأخوذ عن طريقه، ويُهلك المال الَّذي يدخل فيه. فالرِّبا يمحق المتعة وبسطة العيش والجاه والمنزلة الَّتي يطلبها الناس بزيادة المال، بل يصل بصاحبه إلى نقيض ذلك من الهموم والأحزان والحبِّ الشديد للمال، ومقت الناس واحتقارهم، وبذلك لا يتسنَّى له أن يقطف ثمرة المال المقصودة في الحياة، وهي أن يكون ناعم البال، عزيزًا شريفًا بين الناس، لكونه مصدر الشرِّ لهم، كما يكون محرومًا في الآخرة من ثواب الله متعرِّضًا لعقابه.

أمَّا الصَّدقة فالله يزيدها وينمِّيها أضعافًا مضاعفة، ويورث صاحبها البهجة حينما يرى سرور البائسين وفرحهم بصنائعه، فيكثر أحبابه والداعون له بالليل والنهار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يتصدَّق بصدقة من كسبٍ طيِّب ـ ولا يقبل الله إلا طيِّبًا ـ إلا كان الله آخِذَهَا بيمينه فيربيها كما يربِّي أحدكم فصيله حتى تبلغ التمرة مثل أحُد» (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت