فهرس الكتاب
وإن المتتبِّع لمسيرة الدعوة النبوية يجد أن الحكمة من أهمِّ الصفات المُمَيِّزَة والمرافقة لها، من حيث اختيار الزمان والمكان المناسب، واختيار الطريقة الحكيمة السليمة في التعامل مع الأشخاص والأحداث. وقد كان من نتائج هذه الحكمة توحيد الجزيرة العربية تحت راية الإسلام في مدة لم تتجاوز ثلاثًا وعشرين سنة، بأقل من خمسمائة قتيل وشهيد من المشركين والمسلمين. والأمثلة على ذلك كثيرة، فقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم في مكَّة أكثر من عشر سنوات يدعو إلى توحيد الله، ونبذ عبادة الأصنام، ومع ذلك كان يطوف حول الكعبة الشريفة، وحولها ثلاثمائة وستون صنمًا دون أن يتعرَّض لأحد هذه الأصنام أو يؤذيها، حرصاُ منه على عدم استثارة مشاعر المشركين، وتجنُّب المزيد من إيذائهم له. ولكن حين فتح عليه السَّلام مكَّة، ودخلها بالنصر المبين، طاف حول الكعبة، ثمَّ أخذ يمرُّ على الأصنام واحدًا واحدًا، ويطعنها بعود كان بيده، ويقول: «جاء الحقُّ وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا، جاء الحقُّ وما يبدئُ الباطل وما يُعيد» . (رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)
ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك منذ بداية الدعوة، لكان مصيره مثل إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ الَّذي تحدَّى قومه منذ الأيام الأولى لدعوته، وحطَّم العديد من أصنامهم، فأثار غضبهم، وكانت نتيجة ذلك أن أوقدوا له نارًا عظيمة وألقوه فيها ، وكاد يهلك لولا أن تدخَّل الله تعالى وأنجاه منها، قال تعالى: {قَالوا حَرِّقُوه وَانْصُروا آلِهَتِكُم إِنْ كُنتم فَاعِلين * قُلْنَا يَا نَارُ كُوْنِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْرَاهِيمَ} (21 الأنبياء آية 68-69) .