فهرس الكتاب
وكذلك تظهر الحكمة في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم من خلال استفادته من كلِّ ما يخدم الدعوة، حتَّى لو كان من العادات الجاهلية، ومن ذلك أنه لمَّا ذهب إلى دعوة أهل الطائف وعَلِم المشركون من أهل مكَّة بذلك أرادوا أن يمنعوه من الرجوع إلى مكَّة ودخولها.. فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى عدد من زعماء المشركين طالبًا منهم أن يدخل مكَّة في حمايتهم وجوارهم فرفضوا إلا المُطعم بن عدي، الَّذي خرج بأبنائه السبعة، وأحاط برسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى طاف حول الكعبة، وهو في ظلِّ حمايتهم.. وبات في بيت المُطعم ليلتين، واستمرت الدعوة في حمايته قريبًا من سنة. وهكذا شأن الداعي الحكيم الَّذي لا يُبالي إلا باستمرار الدعوة ووصولها إلى جميع الخلق، ولو كان ذلك لا يتمُّ إلا في حماية المشركين.
إن دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم منذ بدء نزول الوحي ولحين هجرته إلى المدينة، يعطينا نموذجًا عمليًا في أسلوب الدعوة إلى الله، وفي براعة التعامل مع غير المسلمين، على الرَّغم من الضغوط الشديدة الَّتي عانى منها بسبب تعنُّتهم وإيذائهم. فالداعي إلى الله يجب أن ينظر إلى الواقع الحالي مع أَملٍ بالمستقبل نظرة واحدة وفي نفس الوقت.. وهذه ميزة عجز عن الاستفادة منها الكثير ممن ينتسبون إلى الدعوة، ويلبسون لباس الدعاة. فإن تمكَّنتَ من كظم غيظك أمام عدوٍ للإسلام، أملًا في أن يُصبح مسلمًا يشدُّ من أزر الدعوة في الغد القريب، تمكَّنت بهذا الشعور أن تسايره وتلاطفه، وتعامله بحنوٍّ وعطف؛ حنوِّ الأمِّ على طفلها المريض... وعلى العكس من ذلك فإن أعطيت لنفسك العنان، فانطلقت تخاصم وتعاتب وتهدِّد وتتوعَّد، فإنك ولا شكَّ تقلب العمل المنتج إلى بناء متَصدِّع ، والإيمان إلى تكفير؛ وتقريب القلوب إلى تهجير، ويفوت على الكثير من المقبلين الخير الكثير، بسبب قصورنا عن فهم الحكمة وأسلوب تطبيقها الفهم الصحيح.