فهرس الكتاب
أما إذا رغبنا معرفة صورة عن السلوك العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق الحكمة، وعُدْنا إلى ما جرى بينه ـ عليه السَّلام ـ وبين سهيل بن عمرو في صلح الحديبية.. فقد كان سهيل هذا لا يترك فرصة تمرُّ لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم إلا واستغلَّها، يُعينه في ذلك أبو سفيان. وعندما جلس سهيل مندوبًا عن قريش ومفاوضًا للنبي صلى الله عليه وسلم وبعد الاتفاق على شروط الصلح، دعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب وقال له: «اكتب: بِسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم» ، فقال سهيل أمَّا الرحمن فوالله ما أدري ما هو.. ولكن اكتب: باسمك اللهم. ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: «هذا ما قضى عليه محمَّد رسول الله» ، فقال سهيل: والله لو كُنَّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، اكتب: محمَّد بن عبد الله. فقال صلى الله عليه وسلم: «والله إنِّي لرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب: محمَّد بن عبد الله» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت، فنطوف به» . فقال سهيل: والله لا تتحدَّث العرب أنَّا أُخِذنا ضَغْطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، وعلى أن لا يأتيك مِنَّا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا.. (رواه البيهقي عن المِسور بن مخرمة) .
وهكذا قَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الشروط كافَّة الَّتي تهضم الكثير من حقوق المسلمين، وبالرغم من معارضة جميع الصحابة لهذا الاتفاق؛ ما خلا أبو بكر رضي الله عنه. وكلُّ ذلك حرصًا من النبي صلى الله عليه وسلم على عدم نشوب القتال بين المشركين والمسلمين، ورغبةً منه في أن يسود بينهما جوٌّ من السلم ـ ولو المؤقَّت ـ يتمكَّن فيه المسلمون من دخول مكَّة ودعوة أهلها إلى الإسلام.