الحيوان، فلجأ إلى الأمثلة المحسوسة الطبيعية تحت فعل البعد الدينيّ.
و الملخّص من موضوع الألفاظ والمعاني في محكّ النظر، هو تلك الاختلافات بينه وبين المعيار والتي عرضناها بإيجاز سابقا. ويؤكد كلّ ذلك الاتجاه اللغويّ الذي بدأه الغزالي في المعيار بتأثير من طبيعة اللغة. وقد تعمّق هنا في المحكّ وأخذ طابعا دينيّا فقهيّا. تجاوز حدود الالتزام بأبعاد المنطق أحيانا. ويمكن القول: إنّ الكلّي، بوصفه عمليّة منطقيّة صوريّة تعمد إلى التجريد، انعدم نسبيا في محكّ النظر واختفى. وربّ قائل: إنّ وروده في المقاصد والمعيار لم يكن سوى نقل. ومع جانب الصحّة في هذا لقول، إلّا أنّ المحك قد بلور المسألة الدينية بوضوح. وربّما اختزلت عمليّة التجريد المنطقية الشكليّة في المحكّ إلى عملية تجريد عقلية نفسيّة فقط. ويتجلّى هذا في تفسير الإمام لكيفيّة تصوّر اللونيّة والشكليّة، فيقول: «إصطلحنا على تسميتها عقلا، فيدرك ويقضي بقضايا، ويدرك اللونيّة مجرّدة، ويدرك الحيوانيّة .. » «1» .
يتطرق الغزالي في موضوع الحدّ إلى أبحاث الحدّ نفسها الواردة في المعيار، مع شي ء من الاختصار وبحلّة إسلامية. ويعتبر اكتمال معرفة الحدّ عن طريق التعريف باللفظ والرسم والحدّ. ويوضح الأمر في مجموعة الأسئلة التي يطرحها والتي تجيب على كنه الحدّ، وتنحصر في أربعة مطالب: هل، وما، ولم، وأيّ. ويعتبر مطلب «ما» أهمّها، وفيه مثال الفقه المشهور: «الخمر» . ويفيدنا مطلب «ما» بثلاثة أجوبة:
-يعرّفنا بتمييز الاسم وشرحه، أي بالتعرّف على حدّه اللفظيّ.
فنقول: ما العقار؟ هو الخمر.
-ويدلّنا على مميّزات الشي ء العرضيّة، ويسمّى حدّا رسميّا.
فنقول
(1) الغزالي، المحكّ، ص 21.