الثالثة تأليف مثاله بحروف تدل عليه ... الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسّة البصر دالة على اللفظ وهي الكتابة .. - إلى أن يقول- إنّ الأوّلين وجودان حقيقيّان لا يختلفان بالأعصار، والأخريان وهما اللفظ والكتابة تختلف بالأعصار والأمم .. «1» .
و نلاحظ أنّه في استمراره بهذه العملية الجامعة بين الاتجاهين المنطقي والأصوليّ الإسميّ أقرّ بأن تعريف الحدّ ينال بتصوّر الماهية وبالتمييز اللفظيّ والإسمي معا، وتعتبر الفقرة السابقة على درجة من الأهمية، كونها تشير إلى تصريح الغزالي بوجود الحقائق العقلية الكليّة ثابتة في الذهن، وبوجودها قائمة بذاتها. وهذان الوجودان يشملان الشعوب كافة بدون تمييز. ونتساءل كيف وفّق الإمام بين هذه المعاني الأرسطويّة وبين المعاني الإسلامية القائمة في القرآن؟ وكيف صرح بذلك في كتاب المحكّ المتميّز بالطابع الإسلاميّ؟ نرجّح أنّ ذلك كان نتيجة التطعيم وتطويع المعاني المنطقيّة لإغناء الاستدلال الأصوليّ. وأخيرا نجد أنّ موضوعات «المحكّ» الأخرى في التصوّر متوافقة مع موضوعات المعيار والمقاصد فهما وتوجها.
و الحال نفسها في التصديق والقضيّة. ولم يستطع الغزالي، ومن قبله، الفصل بين المعنى والإسم أو بين المضمون والصورة فصلا تاما.
و من ثم تقع القضيّة في كتاب محكّ النظر بالفصل الثالث من فنّ السوابق، وتضم أربعة تفصيلات على الشكل التالي:
-التفصيل الأوّل: إنقسام القضيّة إلى التخصيص والعموم والتعيين والإهمال.
-التفصيل الثاني: إنقسام القضيّة إلى ثلاثة: الإمكان والوجود والاستحالة.
-التفصيل الثالث: بيان نقيض القضيّة وأحكامها.
(1) الغزالي، المحكّ، ص 108 - 109.