و أصبح القياس في تحاليله إسلاميّا من دون أن يغفل بعض الأمثلة الطبيعيّة والفلسفيّة «1» من التي وردت في المعيار والمقاصد. وبهذا انقلبت الأدوار، فقد طعّم المعيار بأمثلة فقهيّة ولغويّة. بينما طعّم المحكّ بأمثلة منطقيّة وفلسفيّة. وتميّز الغزالي في عرضه الأشكال الثلاثة بربطه شروط الشكل بشروط اليقين ومادّة المقدّمات، وخصوصا في المجالات الفقهيّة.
«فإن نازعك الخصم في قولك كلّ مسكّر حرام فإثباته بالنقل، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم: «كلّ مسكّر حرام» فإن لم تتمكّن من تحقيق تلك المقدمة بحسّ ولا غيره، ولا من إثبات الثاني بنقل أو غيره، لم ينفعك القياس ... » «2» .
و لم يوفّر الإمام التعابير البديلة بالموضوع والمحمول، فتارة استخدم المحكوم عليه والحكم وأخرى استعمل الموصوف والصفة «3» ، وطورا الخبر والمبتدأ «4» . ونال الإثبات والنفي حظّا من ذلك واستبدلهما بالإيجاب والسلب. وكانا قد وردا في معرض ذكره شروط النظم الأوّل والثاني. أمّا الإيجاب والإثبات فيدلّان على حكم مؤكد ثابت بالاقتصاد لا يحتمل النفي، ويأخذ دلالة الحدّ بالحدّ الآخر. ف «الإيجاب أقوى من الاقتضاء، لأنّه إنّما يستعمل في ما إذا كان الحكم ثابتا بالعبارة أو الإشارة أو الدّلالة» «5» . أمّا «الإثبات فهو الحكم بثبوت شي ء لآخر- وله معنى الإيجاب نفسه- ...
و يطلق على العلم إثبات المعلوم على ما هو به «6» . وطغى الإيجاب والقضيّة الموجبة على المعيار والمقاصد. بينما ظهر الإثبات في المحكّ ومقدّمة المستصفى. وعلى الرغم من كون الإيجاب والإثبات يشكلان معنى
(1) الغزالي، المحكّ، ص 31، ص 32.
(2) المصدر نفسه، ص 33.
(3) المصدر نفسه، ص 33.
(4) المصدر و الصفحة نفسهما، و المعيار ص 71.
(5) الجرجاني، التعريفات، ص 28.
(6) الكفوي، الكليّات، ص 13.