واحدا، إلّا أنّ استخدام كلّ منهما له أبعاده المعيّنة. ونرجّح من جهتنا أن للإيجاب بعدا منطقيّا رياضيّا يعبّر عن الكمّ. أمّا الإثبات فيدلّ على الحكم ويرمز إلى البعد الكيفيّ الذي يخدم في المسائل الفقهيّة والأحكام. إذ يحمل شيئا على شي ء من دون دلالة كميّة أو رياضيّة. وربّما وعى الغزالي ما رجّحناه، فأحسن استخدام الاصطلاح تبعا لغرض كلّ كتاب واتّجاهه المنطقيّ أو الفقهيّ. وربما كان تداوله للمصطلح لا واعيا. وفي الحالين يكون الإمام قد أصاب هدفه. فكان اختيار اللفظ تعبيرا عن توجّه المضمون وشكل المعالجة. والحال نفسها في استخدام الغزالي لمصطلحي السلب والنفي. وهما يدلّان على المعنى نفسه. ويؤدّيان إلى نزع الشي ء عن الشي ء الآخر. وجاء تعبير السلب في المقاصد والمعيار، بينما كان النفي في المحكّ والمستصفى بشكل أظهر. ويأتي النفي بمعنى سلب الصفات، أو انتزاع حكم عن الموضوع، وهو يفيد في الأحكام.
و يعطي أبو البقاء مثالا دينيّا على ذلك فيقول: «قوله تعالى وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إنّما جي ء به في مقابلة العبيد «1» ، أي جي ء بالحكم لنزعه عن العبيد. فيدلّ النفي إذا على نزع الحكم أو نزع الصفة عن الموضوع. وهذه وقائع الشرعيّات. بينما يفيد السلب في الدلالات الرياضيّة التي لها أبعاد كميّة. ويعمل منطقيّا على انتزاع أو استبعاد التداخل بين الحدود.
و علاوة على كلّ هذا التوجّه لم ينبذ الغزالي القواعد الأساسية لأنواع الأقيسة وأشكالها «2» . إذ قال في النظم الثاني: «من نظم القياس أن تكون العلّة، أعني المعنى المتكرّر في المقدّمتين، حكما ... أعني أن يكون خبرا فيهما ولا يكون مبتدأ ... » «3» . فالعلّة والمبتدأ والخبر مفاهيم دينيّة
(1) الكفوي، الكليّات، ص 355.
(2) الغزالي، المحكّ، ص 32 - 44.
(3) المصدر نفسه، ص 35.