الصفحة 129 من 267

كتعلق حرف النفى والاستفهام والشرط والجزاء بما يدخل عليه، وذلك أن شأن هذه المعانى أن تتناول ما تتناوله بالتقييد، وبعد أن يسند إلى شىء. معنى ذلك، أنك إذا قلت «ما خرج زيد» ، «و ما زيد خارج» ، لم يكن النفى «واقع بها متناولا الخروج على الإطلاق، بل الخروج واقعا من زيد ومسندا إليه.

ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد. وأنه لا بدّ من مسند ومسند إليه، ... وأنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلا، ولا من حرف واسم، إلا في النداء نحو: «يا عبد الله» .... فهذه الطرق والوجوه في تعلق الكلمة بعضها ببعض، وهى كما تراها معانى النحو وأحكامه ... ثم إنا نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب، ونرى العلم بها مشتركا بينهم «1»

ومعانى النحو شىء والإعراب المعروف شىء آخر، بعيد كل البعد عن معانى النحو، «فالعلم بالإعراب، مشترك بين العرب كلّهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر، ويستعان عليه بالروية، فليس أحدهم، بأن إعراب الفاعل الرفع، أو المفعول النصب، والمضاف اليه الجر. بأعلم من غيره، ولا ذاك مما يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر، وإنما الذى تقع الحاجة فيه إلى ذلك، العلم بما يوجب الفاعلية للشيء، إذا كان ايجابها من طريق المجاز، كقوله تعالى (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة- 16] وكقول الفرزدق .. سقتها خروق في المسامع ... وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدقّ، ومن طرق تلطف، وليس يكون هذا علما بالاعراب ولكن بالوصف الموجب بالإعراب «2» .

وإذا كان الأمر كذلك، فليس النظم (شيئا غير «توخى معانى النحو وأحكامه فيما بين معانى الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معانى النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه «3» وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها الخدع، وأنه إن أبى

(1) الجرجانى- الدلائل- الصفحات من (ز) الى (ف) من المدخل.

(2) الجرجانى- الدلائل- ص 395 تحقيق محمود شاكر، ورجعت إليها في هذا النص لأن نسخة الدلائل التى رجعت اليها في البحث ليست بين يدى. المهم توثيق النص.

(3) المعان: المباءة والمنزل، ويعدّ بعضهم ميمه أصلية، وبعضهم أنه على وزن «مفعل» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت