وحديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم، أيضا، كان سببا من أسباب نشوء علم الكلام فعثمان بن عفان سمح للصحابة بالخروج إلى الأمصار، فانتشرت حلقاتهم في المساجد يروون عن النبى، ثم تصدى التابعون للرواية، وحينما ظهرت الأحزاب بعد مقتل عثمان حاول كل حزب أن يدعم ما يدعو اليه بآى من القرآن الكريم، وبحديث للرسول صلّى اللّه عليه وسلم.
وظهر أصحاب التفسير العقلى الذين ضاقوا بمنهج السلف، وشعروا أن علماء الحديث- بالرغم من حيطتهم- قد قبلوا أحاديث يعترض عليها العقل ووجدوا أن السلف قد تمسكوا بالظاهر ولم يتقدموا خطوة نحو التفسير العقلى لما يروونه من أحاديث «1» .
فأبدع الحديث الشريف لونا من الجدل الداخلى بين علماء الحديث وبين المفكرين الذين عارضوهم في المنهج. وهذا الجدل العقلى الذى ارتبط بالحديث، ارتبط أيضا بالقرآن، من جانب التشريع الدينى. وأقصد به الاجتهاد فيه بالرأى. فقد اجتهد النبى صلّى اللّه عليه وسلم «2» واجتهد الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم من الصحابة «3» ونما هذا الاجتهاد وزكا فأنتج في جنباته نوعا من التفكير الفلسفى أثرى علم الكلام.
فعلم الكلام له صلة وطيدة بالقرآن الكريم، فمن طبيعته «4» ودفاعا عنه نشأ، وله صلة بالسّنّة النبوية، فمن ارتباطها بالسياسة ومن محاولة العلماء تنقيتها، ثار الجدل، وكذا أعداء الإسلام، حين راموا تقويضه وهبّ العلماء يدافعون عنه،
(1) الدكتور على سامى النشار- نشأة الفكر الفلسفى- 351 و352 ط دار المعارف- الرابعة- 1966 م.
(2) ابن قتيبة- تأويل مختلف الحديث- 246 - الطبعة الأولى ط كردستان القاهرة 1326 ه.
(3) ابن قيم الجوزية- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 18 و19 ط الآداب والمؤيد القاهرة 1317 ه وانظر- له- إعلام الموقعين 1/ 253 ط الشيخ فرج اللّه زكى الكردى بمطبعة النيل بمصر.
(4) يقول الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه (القرآن والفلسفة) ص 48 «على أن القرآن وأن كان يتمثل فيه التحديد أحيانا كثيرة أو قليلة فيما يجب فيه التحديد فانه من جانب آخر، يجب أن نلاحظ أن القرآن نفسه ترك التحديد أحيانا أخرى عمدا، وهذا كما لاحظ بحق ماسنيون، مما يدفع العقل للتفكير الفلسفى- فيما هو مجال الفلسفة لفهم ما يريد القرآن تماما «دار المعارف 1966 م القاهرة.