الصفحة 196 من 267

وإذا تركنا الجاحظ إلى الرمانى (ت 386) ، فسنجد أنه يرى، أن البلاغة لا النظم سر من أسرار إعجاز القرآن.

وقد كانت هناك جهود بذلت في الميدان بعد الجاحظ مباشرة حتى وصلت إلى الرمانى، وجدت مباحث ابن قتيبة (ت 276) والمبرد (ت 285) وثعلب (ت 291) وابن المعتز (294) وقدامة بن جعفر (337) وهم ليسوا معتزلة ولكنهم اشتركوا في القول.

فتمهد الطريق للرمانى ليمسك بأعنّته، ويضع الصياغات النهائية لبعض فنون البلاغة، ويؤنس طريق البلاغيين من بعده فيسيرون على الهدى «1» .

قلنا أن الرمانى قد رفض فكرة النظم وعرض فكرة البلاغة سرا من أسرار الإعجاز يقول في رسالته (النكت) فأما البلاغة فعلى ثلاث طبقات، منها ما هو أعلى طبقة وما هو أدنى طبقة ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة، فما كان في أعلاها فهو معجز وهو بلاغة القرآن، وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس، وليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيى، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى، وهو غث مستكره ونافر متكلف، وإنما البلاغة، إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ «2» فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب، كإعجاز الشعر المفهم للعرب خاصة كما أن ذلك معجز للكافة «3» .

ثم هو يفصل هذا التعريف، فيتناول الأمر من جهتيه. أولهما: الأثر النفسى

(1) انظر في مدى استفادة البلاغيين من الرمانى- ابن رشيق العمدة 1/ 195 وغيرها- ابن سنان الخفاجى- سر الفصاحة 199 وغيرها. وأبا الهلال العسكرى- الصناعتين 169 وغيرها والفخر الرازى- نهاية الايجاز- 81 و82 وابن أبى الأصبع- بديع القرآن- 17 و18 و23 وابن حمزة العلوى- الطراز- 1/ 199 و200 - وابن الأثير المثل السائر- 271 وما بعدها.

(2) يقول الدكتور محمد زغلول سلام تعليقا على هذا التعبير: أنّه طريف تلمس فيه روحا جديدة في فهم منزلة البلاغة ودورها في التعبير- انظر أثر القرآن في تطور النقد الأدبى 69 و70.

(3) الرمانى- النكت- 69 و70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت