الصفحة 198 من 267

وقيمة مبحث الأخبار عن الغيوب، أنه نبع لا ينفد، يظل يلهم الإنسان المكلف بأن يتدبر القرآن وأن يزيل الغشاء عن البصيرة، وأن يتأمل ما ذا حدث في الأزمان الغابرة وما ذا يحدث له وأمامه، ثم هو يجد الإشارات والدلالات في قرب أو بعد موجودة في القرآن. والإنسان هو مركز دائرة الغيب، ما بعد عن إدراكه فهو غيب له، وما بعد عن إدراك آبائه، فهو غيب لهم دونه أن كان قد اكتشف سره. إذن فشئون الكون بعظائمه ودقائقه، كلها غيب بالنسبة للانسان، وشئون النفس البشرية وخلجاتها ونزعاتها كلها غيب له أيضا.

ومن ثمّ، أخبرنا القرآن عن قوم عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، وما كنا نعلم من شأنهم أمرا، فكان هذا غيبا مضى. معجزا من القرآن وأخبرنا عن أحداث لم يتوقعها العرب آنذاك ثم حدثت بعد ذكرها في القرآن بوقف قليل، كقوله تعالى (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ) [الفتح- 16] «1» وغيرها. فكان غيبا في المستقبل القريب وهو معجز.

ومنه ما كان غيبا في المستقبل البعيد، مثل حكاية القرآن عن اليهود أنهم أن كانوا صادقين بكونهم أولياء اللّه فليتمنوا الموت ثم قال (وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) [الجمعة- 7] فما تمناه منهم أحد.

وقد تكلم النّظّام بخاصة عن الغيب الماضى والغيب المستقبل (القريب والبعيد) ثم أشار إلى الغيب الكامن في النفس البشرية، وأن القرآن أخبر عما في نفوس قوم وبما سيقولونه وهذا وما أشبه في القرآن كثير «2» .

وعلى مدى العصور والأجيال تنكشف للناس غيوب عديدة في أنفسهم وفى عالمهم وفى واقعهم، ويقرءون القرآن فيجدون إشارات ودلائل فيدركون بعمق مدى قصورهم أمام ملكوت اللّه سبحانه وتعالى، ومدى صحة قوله عز اسمه (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام- 38] ومدى إعجاز القرآن لما فيه من أسرار

(1) المخلفون من الأعراب: هم الذين حلفوا عن «الحديبية» وهم أعراب غفار، ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم، والدّيل، والقوم الذين دعوا إليهم فيما بعد ليحاربوهم، حتى يسلموا هم بنو حنيفة قوم مسيلمة. وأهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر بعد وفاة النبى صلّى اللّه عليه وسلم.

(2) الخياط- الانتصار- 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت